مجتمع

لا سند في الدولة ولا رحمة في السوق: أزمة المواطن المزدوجة

ضربة قلم

في خضم التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة، يعيش الفرد اليوم تحت وطأة ضغوط متداخلة، تُهدد توازنه النفسي واستقراره المادي. إنه زمن ينهار فيه الحلم البسيط في العيش الكريم، تحت ضربات الغلاء، وتقلّب سوق الشغل، وتآكل الثقة في المؤسسات. فالمواطن لم يعد يواجه فقط متطلبات الحياة اليومية، بل يواجه ذاته التي تُصارع في صمتٍ كي لا تنهار.

أولًا: الأزمة المادية… سباق بلا نهاية

الراتب لا يكفي، فرص العمل نادرة، والاحتياجات تتزايد يومًا بعد يوم. المواطن اليوم يشعر وكأنه في سباقٍ دائم لتأمين ضروريات الحياة، لا رفاهياتها. الأسعار تلتهم كل شيء، وحتى الخدمات التي كان يفترض أن تكون مجانية كالصحة والتعليم، باتت عبئًا إضافيًا. الكرامة صارت تكلّف غاليًا، والعيش الكريم أصبح حلمًا مؤجلًا.

ثانيًا: الأزمة النفسية… ألم بلا صوت

ما لا يُقال أكثر مما يُقال. خلف الوجوه المبتسمة، هناك تعبٌ كبير. اكتئاب، قلق، نوبات غضب غير مبرّرة، فقدان المعنى… كل هذه أعراض لأزمة نفسية جماعية يمر بها عدد كبير من الأفراد دون أن ينتبه لهم أحد. فالمجتمع لا يغفر الضعف، ولا يعترف بالاحتياج إلى دعم نفسي، فيضطر الجميع إلى التمثيل، وكأن كل شيء بخير.

ثالثًا: غياب الإنصاف يُعمق الجرح

في ظل هذه الأزمات، تُحرم الفئات الهشة من الدعم الحقيقي. الدولة، التي يُفترض أن تكون سندًا، تتحول إلى جهة تُطالب فقط: بالضرائب، بالقوانين، بالولاء… دون أن تُوفر أبسط شروط العيش الكريم. المواطن يصبح متهمًا إلى أن يثبت العكس، ويُحاسَب وكأنه آلة، لا إنسانًا يحق له أن يضعف، أن يشتكي، وأن يُطالِب.

خاتمة: بين الدولة والبنك… المواطن في الميزان الخاطئ

لم يعد المواطن البسيط ينتظر المعجزات، بل فقط شيئًا من العدالة والإنصاف. لكن، كلما اشتدت الحاجة، كلما ظهر أن الدولة لم تعد ذاك الحضن الدافئ الذي يحمي أبناءه، بل تحوّلت تدريجيًا إلى مؤسسة تشبه، في تعاملها، البنوك التجارية: لا ثقة، لا عطف، ولا دعم إلا بـ”ضمانات”. وكأن على المواطن، قبل أن يطالب بحقه، أن يُثبت أنه “قابل للاستثمار”!

مثلما تطلب منك المؤسسة البنكية ضمانات عقارية أو حسابات مدعمة قبل أن تسمح لك بالحديث عن قرض، تطالبك الدولة بوثائق، و”ظروف مناسبة”، و”تسجيل قانوني”، وحتى واسطة، قبل أن تفكر في الاستفادة من أي دعم أو مشروع. لا يُنظر إلى الإنسان، بل إلى ملفه، بل أحيانًا إلى نسبه. أما الذين لا يملكون إلا وجعهم، فلا يرد عليهم أحد حتى بـ «السلام عليكم”.

إننا أمام مشهد عبثي: المواطن يركض وراء دولته كما يركض الزبون وراء قرض، في عالم لم يعُد يرحم من لا يملك ضمانة!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.