لا يمكن لصاحب قناة يوتوب أن يؤدي الضريبة مرتين… إلا إذا كنا نعيش في مجرّتين مختلفتين!

ضربة قلم
يبدو أن الحكومة المغربية قد وجدت في الضرائب عشقها الحقيقي، عشق لا يُضاهى، لا يُقاوَم، عشق يجعلها تنام وهي تحلم بجيوب المواطنين، وتصحو وهي تتفقد ما تبقى من فتات فيها. حكومة لا تؤمن بالرومانسية السياسية ولا بالحوار الاجتماعي، بل تؤمن بمبدأ “اضرب الحديد ما دام المواطن ساكت”، فتارة تلوّح بالضريبة على الماء، وتارة أخرى على الهواء، وحين تنتهي من استنزاف الموظف الكلاسيكي الذي ينتهي راتبه قبل أن يبدأ، تلتفت إلى من اعتقدوا أنهم خارج الرادار: اليوتيوبر.
آه يا “صنّاع المحتوى”، هل ظننتم أنكم ستنجون؟ هل صدقتم تلك اللحظة التي شعرتم فيها بالاستقلال المالي، وأنكم قادرون على الربح من إبداعكم، من دون رئيس قسم يزعجكم، ومن دون بطاقة إنعاش؟ لا يا سادة، فقد وصلكم الدور، فالضرائب كما تعرفون، لا تترك أحدًا إلا وتزوره، كالقدر، كالشتاء، كاللعنات القديمة التي لا تموت.
الطريف أن هذه الحكومة العبقرية، وبدل أن تبحث عن طرق لتحفيز الاقتصاد الرقمي، أو فتح ورش تأطير لصنّاع المحتوى الذين يجلبون العملة الصعبة للبلاد، تندرج في صميم ما يجب أن تفعله دولة تحترم مواطنيها، لا أن تحوّلهم إلى مجرد مصادر للجباية السريعة. بدلًا من أن تُشهر في وجههم سيف الضرائب مرتين، الأولى من شركات المنصات، والثانية من خزينة الدولة، الأولى من المنبع والثانية من الذكاء الجبائي المفرط، الأولى مفهومة والثانية مثيرة للغثيان… كان من الأجدر فتح ورشات جادة لتأطير هؤلاء الشباب، ودعمهم، وتوفير آليات الاشتغال، وتحويلهم من أفراد مشتتين إلى قوة ناعمة حقيقية تخدم صورة البلد وتُدخل العملة الصعبة وتُحدث فرص شغل بوسائل رقمية محضة.
لكن هيهات! فبدل الورش، هناك الرغبة في الطرش، وبدل التأطير هناك التسعير، وبدل الاعتراف بصانع المحتوى كمبدع، يُنظر إليه كـ”صندوق متنقل” يجب فتحه بمفك الضرائب. فهل المطلوب هو تشجيع الريع الرقمي تحت شعار “أخلص ولا تصيح”، أم بناء منظومة حقيقية تُراكم المعرفة، وتُكرّم الكفاءة وتُعيد للدولة هيبتها، لا بجمع الفتات من المبدعين، بل بتمكينهم؟
حكومتنا العجيبة اختارت الطريق المختصر: “آجي لهنا خلص الضريبة”. ففكروا ببساطة: “كاين فلوس؟ إذن خصهم الضريبة”. دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث أو الفهم أو حتى احترام ذكاء الرأي العام.
نؤكد مرة ثانية أن ما لا تفهمه الحكومة – أو ترفض أن تفهمه – أن الأموال التي يتوصل بها صانعو المحتوى من يوتوب أصلًا خاضعة لاقتطاعات وضريبية في بلد المنشأ، أي في الولايات المتحدة الأمريكية، وأنه بمجرد أن تصلك تلك الحوالة البنكية، فهي فعليًا “فلوس ناقصة” من الأصل. ومع ذلك، يريدون أن يُفرض عليها اقتطاع جديد، بكل وقاحة بيروقراطية، كأننا في عرض كوميدي سياسي بعنوان: “زيد الماء زيد الضريبة”.
والأغرب أن المغرب – ويا للمفاجأة! – هو البلد الوحيد تقريبًا الذي “سال لعابه” علنًا على هذه الأموال، وكأن اليوتيوبر المغربي يربح الملايين مثل أصحابه في أمريكا أو اليابان! لم يسأل أحد عن واقع الإنترنت في القرى، ولا عن تكلفة المعدات، ولا عن المحتوى الذي يُنجز في بيوت ضيقة، ولا عن من يتكلف بالمونتاج والتصوير والترويج. كل هذا لا يعنيهم، فالحكومة لا ترى إلا شيئًا واحدًا: حساب بنكي فيه حركات غير مفهومة، أي محتمل أن تكون ضريبة قابلة للحلب.
هي فعلاً موهبة نادرة أن تتحول الحكومة إلى مؤسسة لتحصيل الضرائب فقط، لا تؤمّن خدمات، ولا تراعي طبقات، ولا تفكر في الآثار النفسية والاقتصادية لما تفعله، لكنها تفكر في شيء واحد: كيف نبتكر ضرائب جديدة دون أن نبدو كسالى؟ وهنا يأتي دور “المواطنة”، تلك الكلمة التي تلوكها الخطابات الرسمية، بينما المواطن في الواقع لا يشعر منها سوى بالشق الثاني من الكلمة: “مواطَنة” تعني المهانة والتمرميد أمام الإدارة والاقتطاع من مصادر الدخل المحدودة، وحتى من الطموح.
النتيجة؟ سينكمش المحتوى المغربي على نفسه، سيتحول إلى صمت رقمي، أو إلى مهاجر رقمي جديد يبحث عن بلد لا يطلب منك ضريبة عن كل نَفَس، وسنعود بعد سنوات لنندب حال المحتوى المحلي، ونسأل لماذا شبابنا لا يبدع، ولماذا الموهوبون يصمتون. الإجابة بسيطة: لأن الميكروفون صار خاضعًا للضريبة، ولأن حتى الضحكة في المغرب صارت بثمن.
فلتسهر الحكومة إذن على “جلب المداخيل”، لكن لا تلومنّ إلا نفسها حين يصبح المواطن نفسه مجرد رقم في قاعدة البيانات: يُقتطع منه، يُفتّش في جيبه، ثم يُنسى تمامًا إلى أن يحين موسم اقتطاع جديد.
وفي انتظار أن يُشَمّر أصحاب قنوات اليوتوب عن سواعدهم ويُؤسّسوا جمعية حقيقية تدافع عن حقوقهم، وتضع حدًا لهذا العبث الضريبي، سيبقى كل يوتيوبر يقاوم وحيدًا، كمن يصور في غرفة مظلمة ويصرخ في صحراء رقمية لا أحد يسمعه فيها سوى محصّل الضرائب. جمعية تُوحّد الكلمة، وتفرض النقاش، وتنتزع الاعتراف بأن صانع المحتوى ليس بقرة حلوب، بل مواطن له حقوق قبل أن تُفرض عليه الواجبات، وأن ما ينتجه ليس “بزولة” عمومية، بل مجهود فردي قائم على الاجتهاد والمخاطرة والتضحية.




