لجنة التقاعد: اجتماع ساخن لتأجيل البارد!

ضربة قلم
الحكومة المغربية، كما عهدناها، تمارس هوايتها المفضلة: مسك العصا من الوسط، أو بالأحرى، رميها في الهواء وانتظار من تلتطم به. ملف التقاعد؟ ذلك اللغز القديم الجديد، عاد إلى الواجهة مجددًا، لكن بطعم الترقب والقلق، قبل أسبوع واحد من اجتماع اللجنة الوطنية، الذي يبدو أنه خُطط له على عجل، بين كأس قهوة في الصباح ومحاولة تمرير قانون في المساء.
النقابات دخلت بدورها في حالة استنفار شبيهة بحالة “اللا سلم واللا حرب”. لا تصدق الحكومة، ولا تثق في النوايا، وتشمّ من بعيد رائحة الطبخة: طبخة عنوانها “تهرّب انتخابي بنكهة إصلاح مزعوم”. الحكومة لا تريد أن تُتّهم، فتدفع الملف نحو المجهول، والنقابات لا تريد أن تُخدع، فتطلق صفارات الإنذار باكرًا، وتعلن أنها “ستقاوم”، ولو بالبيانات النارية.
من جهة أخرى، عبّر أحد النقابيين من الصف الأول – ذلك الذي يهوى الظهور الإعلامي أكثر من عشق الموظف لمعاشه – عن رفضه التام لما سماه بـ”الثالوث الملعون”: رفع سن التقاعد، خفض المعاشات، ورفع الاقتطاعات. الرجل بدا وكأنه دخل الاجتماع وهو يرتدي درعًا من حديد، وخرج وهو يلوّح بالميكروفون كما لو أنه سيف خشبي في معركة لا تنتهي. وعد الشغيلة بالنضال، وتوعّد الحكومة بالمواجهة، وكرّر جملة “نرفض بكل حزم” أكثر مما قال “صباح الخير” في حياته النقابية.
الرغبة في جعل سن التقاعد “اختيارياً” تحوّلت إلى شعار المرحلة. الجميع يريد الاختيار، ولا أحد يريد أن يُجبر على التمديد في زمن صار فيه كل شيء ممددًا: الأزمة، الغلاء، والانتظار. أما فكرة تقليص المعاشات، فهي تشبه أن يُطلب من الشيخ أن يدفع ثمن كرسيه المتحرك، مع ابتسامة من موظف في صندوق التقاعد يقول له: “تحمّل معنا، فالعجز كبير!”.
الطرف النقابي، الذي يحب أن يكون دائماً أول من يرد، طالب كذلك بحضور مدراء الصناديق إلى الاجتماع، لا بوصفهم آلهة تنزل علينا بالإحصائيات من السماء، بل كبشر يسمعون، ويُحاسبون، ويُسألون عن قراراتهم التي تُتخذ في المكاتب المكيفة، بينما المتقاعد يتصبب عرقًا وهو يقف في طابور الصيدلية.
والموظف المغربي؟ ذاك المسكين الذي يُستعمل وقودًا في كل معركة ولا يُستشار في شيء، جلس أمام نشرات الأخبار كمن يشاهد حلقة من مسلسل تركي طويل: نفس الأوجه، نفس الصراخ، نفس النهاية المؤجلة. يمسك رأسه بين يديه ويهمس: “اللهم اجعلها لجنة بلا قرارات… خير من قرارات بلا ضمير”. ويعود إلى عمله، دون أن يعرف إن كان سيتقاعد يومًا… أم سيتقاعد الزمن نفسه قبله.




