
ضربة قلم
عندما ترفض أحزاب سياسية، تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، في ملف أثار كل هذا الجدل داخل المجتمع، فإنها تضع نفسها أمام أسئلة مشروعة يصعب تجاهلها. فالمواطن الذي يواجه يومياً ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، لا ينتظر المزيد من الشعارات، بل يريد معرفة الحقيقة كاملة: أين ذهبت الأموال العمومية؟ ومن استفاد منها؟ وهل حققت الأهداف التي خُصصت من أجلها؟
المفارقة أن الأحزاب التي تتحدث باستمرار عن الشفافية والحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، تجد نفسها اليوم في موقف يثير الكثير من علامات الاستفهام. فحين يكون المطلوب هو البحث عن الحقيقة من خلال آلية دستورية وبرلمانية معروفة، ثم يأتي الرفض، فإن ذلك يفتح الباب، أمام التأويلات ويزيد من حجم الشكوك الموجودة أصلاً لدى الرأي العام.
قد يكون لهذه الأحزاب مبرراتها السياسية أو القانونية، لكن المواطن البسيط، ينظر إلى الأمور من زاوية مختلفة. فهو يتساءل: إذا كان كل شيء واضحاً وسليماً، فما الضرر في تشكيل لجنة تحقق في الملف، وتقدم نتائجها للرأي العام؟ ولماذا يُنظر إلى الكشف عن الحقائق، وكأنه عبء أو تهديد، بدل اعتباره فرصة لإثبات سلامة التدبير وحسن استعمال الأموال العمومية؟
إن الأزمة الحقيقية، لا تكمن فقط في قرار الرفض، بل في الرسالة التي تصل إلى المواطنين من خلاله. فالكثير من المغاربة يشعرون بأن الطبقة السياسية، أصبحت منشغلة بصراعاتها وحساباتها، أكثر من انشغالها بالهموم اليومية للناس. وعندما يتعلق الأمر بملفات مرتبطة بالمال العام، فإن أي تردد في فتح باب التحقيق، ينعكس سلباً على صورة المؤسسات والأحزاب على حد سواء.
لقد أصبح المواطن المغربي أكثر وعياً وأكثر مطالبة بالمحاسبة والشفافية. لم يعد يكتفي بالتصريحات العامة أو الوعود المتكررة، بل يريد أرقاماً دقيقة ومعطيات واضحة وإجابات مباشرة عن الأسئلة التي تؤرقه. ولهذا فإن أي موقف يُفهم منه تعطيل آليات الرقابة، يساهم في تعميق أزمة الثقة بين المواطن والفاعل السياسي.
إن الديمقراطية لا تقوى بإغلاق الملفات المثيرة للجدل، بل بمواجهتها بشجاعة وشفافية. كما أن مصداقية الأحزاب لا تُقاس فقط بعدد المقاعد التي تحصدها في الانتخابات، وإنما أيضاً بمدى استعدادها للخضوع للمساءلة، وقبول الرقابة، حين يتعلق الأمر بقضايا تهم المال العام ومصالح المواطنين.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يطرحه كثير من المغاربة قائماً: إذا كانت الحقيقة في صالح الجميع، فلماذا لا تُفتح كل الأبواب أمام الوصول إليها؟ وهل أصبح الخوف من الأسئلة أكبر من الرغبة في تقديم الأجوبة؟
وأمام هذا الواقع، لا يملك كثير من المغاربة سوى استحضار أسماء من جيل سياسي مختلف، جيل كان يُنظر إليه باعتباره مدرسة في النضال والالتزام وتحمل المسؤولية. أين الراحل امحمد بوستة؟ وأين عبد الرحيم بوعبيد؟ وأين محمد بن سعيد آيت إيدر؟ وأين تلك القامات السياسية التي كانت تضع المبدأ قبل المصلحة، وتعتبر أن ثقة المواطنين أمانة لا يجوز التفريط فيها؟ قد يختلف الناس حول مواقف هؤلاء السياسيين واختياراتهم، لكن كثيرين، يجمعون على أنهم تركوا بصمة عنوانها الجدية والاحترام والحياء السياسي. واليوم، حين تتسع الهوة بين المواطن والسياسة، يعود الحنين إلى تلك الأسماء التي كانت قادرة، على الأقل، على إقناع الناس بأن العمل السياسي، رسالة قبل أن يكون وسيلة للوصول إلى المناصب والمكاسب.




