الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

دفاتر قضائية

لجنة تصوت، موظف يهمس، وشركات تُقصى… أهلاً بكم في صفقة ولا في الأحلام!

ضربة قلم

في مسرحية عبثية جديدة عنوانها “من تبليطة الأرصفة إلى تبليط الذمم”، تواصلت فصول ما بات يُعرف بـ”ملحمة صفقات الفقيه بنصالح”، والتي لم تعد فقط تثير شهية المفتشية العامة ولا شهية النيابة العامة، بل باتت تهدد حتى شهية المواطنين، الذين فقدوا القدرة على فهم من الفاعل، من المتواطئ، من البريء، ومن الضحية… في هذا البريكولاج المؤسساتي المحبوك بخيوط من التملص، وتوابل من الذكاء الإداري الماكر.

المتهم هذه المرة ليس “مول الكرسي” الأعلى رتبة، بل موظف جماعي يشغل رئيس مصلحة الصفقات العمومية، والذي وُصف خلال جلسة المحاكمة الأخيرة بـ”الكل في الكل”، في إشارة إلى نفوذه العابر للصفوف واللجان والمسطّرات، حتى أنه بدا أقرب إلى خازن الأسرار منه إلى موظف إداري. الرجل، حسب تصريحات بعض المنتخبين الذين حضروا في الجلسة على كرسي المتهم لا كرسي الشاهد، كان يملك سلطة تكاد تضاهي سلطة مجلس الأمن، باستثناء أن قراراته تُمرّر بالإيماء، لا بالفيتو، ويكفي أن “يهز حاجبه” ليتم إقصاء شركة أو صعود أخرى.

عضو اللجنة “ص.م”، الذي بدا في تصريحاته كما لو أنه كان ضحية تنويم مغناطيسي، قال بكل أريحية إنهم – أي أعضاء اللجنة – لم يكونوا سوى شهود زورٍ طيبين، يوقّعون فقط على كلام السيد رئيس المصلحة، لأن “الراجل كايعرف القانون”! منطق غريب يُشبه من يقول: “أنا ماشي سارق، غير مشيت مع العصابة باش ما نبانش خواف”.

أما “ع.ع”، رئيس لجنة فتح الأظرفة – ويا لسخرية القدر – فقد فتح هو الآخر فمه ليؤكد ذات الرواية: أن رئيس المصلحة كان “الرادار القانوني” الذي يتبعونه دون نقاش، فقط لأن معه مفاتيح المساطر ومفاتيح القلوب… وربما حتى مفاتيح مكتب الرئيس!

وعندما جاء الدور على الموظف المتهم، ر.ل، قرر أن يُغيّر النغمة: “أنا؟ أنا مجرد موظف بسيط، لا أقرر شيئًا، لا أقصي أحدًا، لا أرفع أحدًا، فقط أفتح الجريدة، أنشر الإعلان، أرسل الدعوات، أجمع الوثائق، أجيب عن استفسارات، وأحضر في الجلسات… لكن لا دخل لي!”، وكأن الرجل يصف وظيفة خالية من أي تأثير، رغم أن الجميع حوله – بالتصريحات لا بالشبهات – يقرّ بأنه كان قائد الأوركسترا التي توزّع النقاط وتُقصي الشركات وتُنعش أخرى.

وحين سُئل عن سبب إقصاء تجمع يضم مكتب دراسات مغربي وآخر أجنبي، ردّ وكأن الأمر يتعلق بنادٍ للمطالعة لا بصفقة عمومية: “آه، اللجنة أقصتهم لأنهم قدّموا وثائق باللغة الإنجليزية!”، وكأن المملكة المغربية قد أعلنت رسميًا الحرب على كل حرف لاتيني لا يمرّ عبر مترجم محلف. تخيّل أن سبب الإقصاء في صفقة يمكن أن تساوي ملايين الدراهم، هو أن الملفات لم تُحرّر بلغة موليير أو الضاد! من يدري، ربما في المستقبل ستُنصّب لجنة لتحديد نوع الخط في الوثائق: “نعتذر، هذا ملف مكتوب بالـComic Sans!”(لم تُقصَ لأن عرضك سيّئ، بل لأنك كتبت بالخط الخطأ).

أما النقاط – يا لروعة الأرقام – فحدّث ولا حرج. واحد يأخذ 97.27، والآخر 68.64، كأننا في سباق بين تلميذين أحدهما نسي يكتب اسمه في ورقة الامتحان. السبب؟ المكتب الثاني لم يُدلِ بوثيقة تُثبت تسجيل فريقه في CNSS لمدة ستة أشهر. قدّم ما يثبت شهرا فقط… وتلك هي الكارثة الوطنية! هل نلومه لأنه لم يُشغّل فريقه عند الكبير مول CNSS؟ هل نلومه لأنه لا يعرف أن الفوز في صفقات جماعة الفقيه بنصالح يتطلب رخصة سياقة إدارية من النوع الممتاز؟

الخلاصة؟ كل متّهم في هذا الملف يبدو كمن يقول: “أنا كنت حاضر، ولكنني لم أكن هناك”. اللجنة كانت موجودة ولكن بلا إرادة. الموظف كان يُحرّك الخيوط، ثم يُقسم أنه كان فقط ينظف المسرح بعد العرض. والرئيس السابق… آه الرئيس! فلا زال اسمه يُرفرف كالشبح فوق هذه المحاكمة، حاضرٌ في كل سطر، غائبٌ عن كل جلسة.

في انتظار الحلقة المقبلة من مسلسل “من فتح الأظرفة إلى فتح التحقيق”، يبقى الأمل الوحيد أن تُفتح أعين المواطنين، ولو بلغنا زمنًا صار فيه القانون يُكتب بالحبر السري… وتُنفّذ القرارات بالحركة الصامتة!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.