لحظة الترند: كيف تحوّلت حياتنا إلى مسرح خوارزميات بلا ضمير؟

ضربة قلم
نحن نعيش اليوم في زمن اللحظة، لكن ليست اللحظة التي تهزّ الوجدان أو توقظ الضمير، بل لحظة افتراضية رقمية تُصنع في الأفران الرقمية وتُسوّق عبر خوارزميات لا تعرف القلب ولا العقل.
الترند صار هو اللحظة، والباقي مجرد تفاصيل هامشية. في هذا الزمن السائل، لا وجود للثوابت، فكل شيء يتغير بسرعة، وينتفض الناس بسبب فيديو تافه أو إشاعة ملفّقة، فيُستَنفر الجميع: صحفيون، نشطاء، سياسيون، وحتى خطباء الجمعة! في الوقت ذاته تُدفن القضايا الكبرى في صمت قاتل: الغلاء، البطالة، التعليم، الصحة، والكرامة.
نجد لحظة بكاء نجم تشعل المشاعر وتحرّك الوطن، بينما دمعة أم مكلومة تُقابل بالتجاهل. لحظة طلاق مشهورة تُناقش على القنوات، فيما تتكرر عشرات آلاف حالات الطلاق سنويًا بلا ضجيج ولا وعي.
فمن يتحكم في لحظتنا؟ ليس المواطن، ولا المثقف، ولا الإعلام الوطني، بل الخوارزمية. تلك التي ترفع ما يُضحك وتسقط ما يُفكّر، وتحوّل مهرّجًا إلى نجم، وعالمًا إلى شخص مغمور. هي التي تعيد صياغة وعينا على مقاس اللاشيء.
اللحظة اليوم تُصنع وتُباع كمنتوج تجاري، تقاس قيمتها بعدد الإعجابات لا بصدقها أو بعمقها. لم نعد نعيش اللحظة لنفهم الحياة، بل نستهلك اللحظة لننسى الحياة.
أين هي اللحظة التي تصنع التغيير؟ التي توقظ الشارع، وتُلزم المسؤول، وتنتج فعلًا سياسيًا أو اجتماعيًا؟ لحظات كانت كالمقاطعة، واحتجاجات المعطلين، وانتفاضة الأساتذة والمربين، كلها لحظات وعي تحطمت بسيف الإلهاء الرقمي.
فلنسترجع اللحظة قبل أن نُمحى معها. اللحظة ليست ما يُعرض علينا، بل ما نختار أن نعيشه. إذا فقدنا القدرة على خلق لحظاتنا الحقيقية، سنبقى محاصرين في فقاعات ترفيهية فارغة من كل معنى. اللحظة الحقيقية هي التي تزعج، توقظ، وتفتح الباب على أسئلة من قبيل: من نحن؟ وإلى أين نمضي؟




