
ضربة قلم
رجل عانى كثيرًا، ليس من باب الشكوى ولا من باب ادّعاء البطولة، بل لأن مسار حياته كُتب منذ بدايته بالحبر الصعب: تعبٌ، واجتهاد، وقرارات شاقة لا يتخذها إلا من اختار أن يعيش واقفًا لا منبطحًا. في بدايات مشواره الدراسي، لم يكن الطريق مفروشًا بالورود، بل كان مليئًا بالعراقيل والاختبارات القاسية. فضّل أن يُنهي دراسته بثانوية الخوارزمي بمدينة الدار البيضاء، بعد أن اجتاز امتحان ولوج شارك فيه نحو مائتي مترشح، ولم يُقبل منهم سوى عشرة فقط، وكان هو واحدًا من أولئك القلة الذين نجحوا بعرق الجبين لا بالمحاباة.
بعد ذلك، حصل على دبلوم تقني مغربي، وهو الدبلوم الذي تحوّل لاحقًا إلى شهادة الباكالوريا في الميكانيك العامة. كان بإمكانه أن يواصل دراسته في الهندسة، وأن يشق طريقًا أكاديميًا قد يفتح له أبواب المكاتب المكيّفة، لكنه اختار طريقًا آخر: طريق العمل المبكر، والاحتكاك المباشر بالواقع، والدخول في معمعة الحياة دون وسائط. لم يكن القرار سهلاً، لكنه كان صادقًا مع نفسه، مؤمنًا بأن الكرامة لا تُقاس بعدد الشهادات فقط، بل بقدرة الإنسان على الاعتماد على ذاته.
بدأ حياته المهنية معتمدًا على نفسه، فالتحق بمؤسسة إنتاجية ستتحول لاحقًا إلى واحدة من أكبر الوحدات الإنتاجية بمدينة المحمدية. هناك تعلّم الانضباط، والصرامة، واحترام الوقت، وهناك أيضًا تشرّب معنى العمل الجماعي، ومعنى أن تكون جزءًا من ماكينة اقتصادية تتحرك بعرق العمال لا بخطب المسؤولين. وفي بداياته المهنية، اكترى منزلًا متواضعًا بدرب الشباب بالمدينة، حيث كان السكن امتدادًا لبساطة العيش، لا مجال فيه للبذخ ولا للتظاهر بما لا يملك.
تزوج عن حب صادق، لا عن حسابات مصلحة ولا عن موازين ربح وخسارة. تزاوج مع أسرة محترمة في شرفها وقيمها، فكان الزواج شراكة حياة لا صفقة اجتماعية، وبُني البيت على المودة لا على المظاهر. وبعد سنوات من الكد والعمل المتواصل، استطاع أن يقتني بقعة أرضية بحي الحسنية، وكان من أوائل من شيدوا منازلهم في ذلك الخلاء الذي تحوّل مع الزمن إلى حي مأهول بالسكان. لم يكن العمران عنده مجرد جدران، بل كان رمزًا لمسار طويل من الصبر، حجرًا فوق حجر، مثلما بُنيت حياته خطوة بعد خطوة.
وكان منخرطًا قلبًا وقالبًا في العمل النقابي، حين كان النضال يُفهم باعتباره عملًا نظيفًا لا تجارة شعارات. لم يكن يرى في النقابة سلّمًا للترقي الشخصي، بل وسيلة للدفاع عن الكرامة الجماعية. وفي لحظة اختبار حقيقية، عُرضت عليه خيانة زملائه مقابل ترقية صاروخية، منصب أعلى وامتيازات أوسع، لكنه رفض الإغراء جملة وتفصيلًا. رفض أن يصعد على أكتاف غيره، وفضّل أن يبقى في الصفوف الأمامية للنضال بدل أن يكون في الصفوف الخلفية للامتياز.
وكان لذلك الرفض ثمنه الباهظ. إذ جرى اعتقاله رفقة بعض زملائه المضربين عن العمل، وقضى فترة لا يستهان بها في السجن الاحتياطي المعروف آنذاك بسجن لكريمة. هناك، تجرّع قسوة الجدران الباردة، لكنه لم يفقد دفء القناعة، ولم يتخلَّ عن إيمانه بأن الحرية لا تُهدى، بل تُنتزع، وأن الكرامة لا تُفاوض. خرج من تلك التجربة أكثر صلابة، وأكثر هدوءًا، وأكثر اقتناعًا بأن الاستقامة طريق شاق لكنه الطريق الوحيد الذي لا يُخجل صاحبه أمام المرآة.
وبفضل مجهوده المتواصل، انتقل من حي الحسنية إلى حي الأصيل، انتقالًا لم يكن مجرّد تغيير عنوان سكن، بل انتقالًا رمزيًا من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الاستقرار النسبي. ومع ذلك، ظل يرفض الامتيازات المشبوهة، ويرفض فكرة الدخول في معمعة الانتخابات، لا خوفًا منها، بل لأن قناعته كانت ولا تزال أن الإنسان يمكن أن يكون حرًّا ورافع الرأس دون أن يضع اسمه في لوائح الترشح، وأن الاحترام يُكتسب بالفعل لا باليافطات.
سهر على حسن تربية أبنائه، وجعل من البيت مدرسة أخلاق قبل أن يكون مأوى. رزقه الله ابنًا مهندسًا بألمانيا، وابنة إطارًا عاليًا ببلجيكا، وآخر اقترب من نيل دكتوراه في الصيدلة قبل أن تتكالب عليه ألاعيب كثيرة حالت دون إتمامها، وهو موضوع طويل وحده يستحق سردًا مستقلًا. أما آخر العنقود، فيشتغل اليوم في منصب محترم، ومرشح أن يذهب بعيدًا في القطاع الخاص. لم تكن هذه النتائج وليدة الصدفة، بل ثمرة تربية صارمة، ومثال حيّ لأب لم يكن يعظ أبناءه بلسانه فقط، بل بسلوكه اليومي.
وفي واحدة من أقسى ضربات الحياة، فقد رفيقة دربه وشريكة عمره خلال فترة كورونا قبل سنتين ونصف، بعد مرض ألمّ بها. كان يمكنه أن يبحث عن تعويضٍ عاطفي سريع، أو أن يملأ الفراغ بأي حضور جديد، لكنه اختار الوفاء، وبقي مخلصًا لحب حقيقي لا يُنسى ولا يُعوَّض. فبعض العلاقات، حين تُبنى على الصدق، تتحول إلى جزء من هوية الإنسان، لا إلى مرحلة عابرة في سيرته.
صديقنا، واسمه لخضر، عاش شريفًا وما يزال كذلك. لم يُعرف عنه أنه انحنى لغير الحق، ولا أنه باع قناعاته بثمن، ولا أنه اختصر الطريق على حساب كرامته. هو من أولئك الرجال الذين لا تصنعهم الأضواء، ولا تصوغهم العناوين الكبيرة، بل تصنعهم التفاصيل الصغيرة: قرار رفض، وصبر طويل، وبيت دافئ، وأبناء ناجحون، وذاكرة نظيفة.
وحين تُروى قصته اليوم، لا تُروى للتفاخر، ولا للبكاء على الماضي، بل لتذكيرنا بأن في هذا البلد رجالًا عاشوا بصمت، وصنعوا معنى الرجولة بعيدًا عن الصراخ، وبنوا حياتهم كما تُبنى الجدران الصلبة: بالعرق، وبالصدق، وبالوفاء لما آمنوا به منذ البداية.





شكرا لك أستاذنا محمد صابير على مقالاتك الرائعة و امتناني الخاص على كلامكم الجميل في حق والدي الخضر مني لك كل الاحترام و التقدير❤️ المزيد من التألق🤲