لديك مشكل في شبكية العين!”… الجملة التي قد تكلف المريض ألف درهم في دقائق!

ضربة قلم
لا أحد يمكنه أن ينكر أن مهنة الطب، وفي مقدمتها طب العيون، تظل من أنبل المهن الإنسانية، وأن الغالبية الساحقة من الأطباء تمارس مهنتها بضمير حي، وتضع صحة المريض فوق كل اعتبار. لكن، كما هو الحال في كل القطاعات، هناك استثناءات تسيء إلى المهنة وتلطخ صورة أصحاب المآزر البيضاء.
فقد أصبح بعض المرضى يشتكون، همساً أحياناً وعلناً أحياناً أخرى، من لجوء بعض أطباء العيون إلى أسلوب يثير الكثير من علامات الاستفهام، يتمثل في تهويل بعض الحالات المرضية، وإثارة الخوف في نفوس المرضى عبر الحديث عن احتمال وجود أمراض خطيرة في شبكية العين، قبل توجيههم بسرعة نحو إجراء فحوصات وتصويرات مكلفة.
ولا أحد يعترض على الفحوصات الطبية، متى كانت ضرورية ومبررة علمياً، لأن التشخيص الدقيق يقتضي أحياناً اللجوء إلى وسائل تقنية متطورة. غير أن الإشكال يبدأ عندما يتحول بعض المرضى، في نظر فئة قليلة من “الجوعى”، إلى مجرد أرقام ومصادر دخل، وعندما تصبح الأجهزة الطبية التي اقتنيت بالقروض البنكية تحتاج، كل شهر، إلى “تغذية” مالية لتسديد أقساطها، فيتم اللجوء إلى الإفراط في طلب الفحوصات المكلفة.
النتيجة أن مواطناً بسيطاً، دخل إلى عيادة وهو يشتكي من تعب بسيط في عينيه أو من ضعف في الرؤية، يجد نفسه فجأة أمام سيناريو مرعب: “الأمر قد يكون خطيراً… لا بد من إجراء راديو أو تصوير مستعجل للشبكية”. ثم يمد يده إلى جيبه ليؤدي مبلغاً يتراوح بين 800 و1000 درهم، وربما أكثر، وهو مبلغ يمثل بالنسبة لكثير من الأسر المغربية، مصروف أسبوع كامل أو أكثر.
والأسوأ من ذلك، أن الخوف من فقدان البصر، يجعل المريض في وضع نفسي هش، فلا يجرؤ على مناقشة الطبيب أو طلب رأي ثانٍ، لأنه يخشى أن يكون أي تأخير سبباً في مضاعفات خطيرة. وهنا بالضبط، تكمن خطورة استغلال الجانب النفسي للمريض، لأن صحة الإنسان، ليست سلعة، والخوف ليس وسيلة للتسويق الطبي.
بطبيعة الحال، لا يجوز التعميم، فهناك أطباء عيون أكفاء ونزهاء، يشخصون الحالات بضمير مهني، ويطلبون الفحوصات فقط عندما تكون ضرورية فعلاً. لكن وجود استثناءات قليلة، لا يمنع من إثارة النقاش، حول بعض الممارسات التي حولت الطب، عند البعض، من رسالة إنسانية إلى مشروع تجاري خالص.
إن الطبيب الذي يزرع الطمأنينة في قلب مريضه، ويشرح له حالته بصدق، ويكتفي بالفحوصات الضرورية، يكسب احترام الناس وثقتهم. أما من يبالغ في التهويل ويستثمر في مخاوف المرضى، من أجل زيادة رقم معاملاته، فإنه يربح مالاً سريعاً، لكنه يخسر شيئاً أثمن بكثير: شرف المهنة وثقة المجتمع.
فالمرضى، لا يحتاجون إلى تجار للخوف، بل إلى أطباء يعالجون العيون بضمير، ويحافظون على بصيرة المهنة قبل بصر المرضى.




