الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

الطابق المنسي: حين تتحوّل غرف السطوح إلى أوطان للفقراء والمنسيّين

ضربة قلم

من يعيش في “غرف فوق السطوح”؟ سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يحمل بين طياته أوجاعًا لا تُحصى، وتفاصيل حياة لا تراها أعين العابرين. تلك الغرف الصغيرة التي تطل على المدينة من فوق، لا تطل على شيء فعليًا، فهي ليست شرفات فاخرة ولا أجنحة بانورامية… بل صناديق إسمنتية ضيقة، قاسية، خالية من الروح، يسكنها من لم يجد لنفسه مكانًا آخر في هذا العالم المكتظ بالتفاوت.

في الظاهر، يُقال إن هذه الغرف مخصصة للكراء الرخيص. ولكن، حين تصعد إلى السطح، وتدق بابًا هنا وآخر هناك، تكتشف أن المسألة أعمق بكثير من مجرد بدل سكن بسيط. هناك، على أسطح المدن، تسكن وجوه مغبرة، أنهكها الزمن، وخنقها الفقر، ودفعتها الحياة إلى الاحتماء من السماء بشيء من الطين المسلح. كل غرفة تحكي حكاية، وكل قفل على باب صدئ يخفي خلفه رواية من الألم.

في تلك الزوايا المهملة، تعيش نساء مطلقات اختارتهن الحياة ليكنّ في الهامش، شباب هاربون من ضيق القرى باحثين عن فرصة عمل لا تأتي، طلبة متغربون عن أسرهم بالكاد يملكون قوت يومهم، وأحيانًا عائلات كاملة تتقاسم غرفة لا تتجاوز بضعة أمتار مربعة. لا نوافذ واسعة، لا حمامات داخلية، لا دفء ولا خصوصية… فقط جدران رمادية وسقف يرشح في الشتاء ويحترق في الصيف.

الليل في تلك الغرف لا يشبه الليل في بقية البيوت. لا ضوء ثريا يبدد العتمة، بل ضوء مصباح يتدلّى من سلك متهالك، وأحيانًا مجرد شمعة تحترق ببطء كأنها تواسي ساكنيها. لا دفء أسري، بل عزلة موحشة تشاركك فيها الحشرات والرطوبة والبرد القارس. ولا أحد يطرق الباب من أجلك، إلا صاحب المنزل مع نهاية كل شهر، يطالبك بالكراء أو بالطرد.

ورغم البؤس، تجد في تلك الغرف أناسًا يحاولون التشبث بالحياة بما استطاعوا من قوة. تجد الأم التي تطبخ لطفلها على موقد غاز صغير قرب السرير، وتجد الطالب يراجع دروسه تحت ضوء الهاتف المحمول، وتجد الشاب العاطل يحاول أن يبتسم لجاره رغم غصة الجوع. تجد وجوهاً أنهكها التعب، لكنها لا تزال تقاوم… فقط لأن لا خيار آخر لديها.

هذه الغرف ليست مؤقتة كما قد نظن، فالكثيرون يعيشون فيها لسنوات، بل لعقود. يولد فيها أطفال ويكبرون، ويتعودون على السطح كأنه أرضهم الطبيعية. يكبرون دون أن يعرفوا دفء غرفة حقيقية، أو راحة سرير نظيف، أو متعة الجلوس في صالة مليئة بالضوء. وحين ينزلون إلى الشارع، يحملون فوق أكتافهم عبء السطح، عبء العزلة، عبء الفقر، لكن دون أن يبوحوا. لأن من يسكن فوق، غالبًا ما يُنسى في الأسفل.

السطوح في مدننا ليست فقط أماكن لتعليق الملابس أو نصب صحون التقاط القنوات. إنها طوابق خامسة وسادسة وسابعة غير مرئية في تصاميم البلديات، لكنها حقيقية ومأهولة ومكتظة. إنها مرايا تعكس اختلال التوزيع الطبقي في المجتمع، حيث يعيش البعض في فيلات بحدائق خلفية، وآخرون في صناديق منسية فوق سطوح إسمنتية لا تعرف الرحمة.

وفي كل موسم شتاء، تتكرر الكارثة: أسطح تغرق، جدران تنهار، أسلاك تتلف، وأحيانًا أرواح تُزهق لأن أحدهم اختنق بوسائل التدفئة البدائية أو سقط من علو وهو يحاول إصلاح شيء بوسائله البسيطة. ولا أحد يسأل. لا تغطيات إعلامية، ولا تقارير رسمية، فقط خبر صغير في صفحة الحوادث، ثم يُنسى كما يُنسى كل شيء يخص سكان السطوح.

ورغم كل هذا، ما تزال هذه الغرف مطلوبة، لأن الفقر لا ينام، والعجز لا يستأذن، والمضطر يقبل بأي شيء إن كان سيحميه من التشرد. ولهذا، تستمر الحياة هناك فوق، في الطابق الذي لا يُحسب من طوابق البناية، في الفراغ بين السماء والواقع، في مكان لم يُصمم ليسكنه أحد، لكنه أصبح وطنًا مُرًّا لمن لا وطن له.

من يعيش في غرف السطوح؟ إنهم أولئك الذين يسكنون خارج الحكايات السعيدة، لكنهم رغم ذلك… ما زالوا يحاولون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.