
ضربة قلم
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1945، دخل العالم مرحلة جديدة من التوازنات الدولية، تصدّرتها الولايات المتحدة باعتبارها القوة العسكرية والسياسية الأكثر تأثيراً في النظام العالمي. وخلال العقود التي تلت تلك المرحلة، لم يكن الحضور الأمريكي مجرد حضور دبلوماسي أو اقتصادي، بل ارتبط في كثير من الأحيان بتدخلات عسكرية مباشرة، أو غير مباشرة في مناطق مختلفة من العالم، وهو ما جعل السياسة الأمريكية، موضوعاً دائماً للنقاش والجدل في العديد من الأوساط السياسية والفكرية.
وفي قلب هذا المشهد الجيوسياسي، برز التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، كأحد أكثر التحالفات رسوخاً في السياسة الدولية المعاصرة. فمنذ إعلان قيام إسرائيل سنة 1948، تطورت العلاقة بين الطرفين إلى شراكة سياسية وعسكرية وثيقة، تقوم على الدعم المتبادل والتنسيق في قضايا الشرق الأوسط.
غير أن هذه العلاقة ظلت أيضاً موضوع نقاش واسع. فهناك من يرى أن هذا التحالف يستند إلى اعتبارات استراتيجية، بينما يذهب آخرون إلى أن تأثير جماعات الضغط السياسية والإعلامية، داخل الولايات المتحدة، يلعب دوراً مهماً في توجيه جزء من السياسات المتعلقة بالشرق الأوسط. وفي هذا السياق، كثيراً ما يثار الجدل حول مدى تأثير اللوبيات السياسية والإعلامية الإسرائيلية في توجيه المواقف الأمريكية، خاصة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية أو الصراعات الإقليمية.
وفي سياق هذا النقاش، يرى بعض المنتقدين أن كثيراً من الحروب أو العمليات العسكرية التي شهدها العالم خلال العقود الماضية، أدت إلى سقوط ضحايا مدنيين، دون استثناء التلاميذ الصغار، بأعداد كبيرة، وأن الشعوب غالباً ما تكون الحلقة الأضعف، في معادلات القوة الدولية. فالحروب، مهما كانت مبرراتها السياسية أو العسكرية، تترك خلفها دائماً آثاراً إنسانية عميقة، حيث لا يسلم المدنيون من تداعياتها سواء عبر الدمار أو النزوح أو فقدان الأمن والاستقرار.
وفي الشرق الأوسط تحديداً، ظل التوتر الإقليمي عاملاً دائماً في رسم ملامح السياسة الدولية. ومن بين الدول التي شكلت محوراً مهماً في هذه المعادلة تبرز إيران، خاصة منذ الثورة الإيرانية سنة 1979، التي غيرت بشكل جذري طبيعة العلاقات بين طهران وواشنطن.
وقبل ذلك بسنوات قليلة اندلعت الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988) بين العراق بقيادة صدام حسين وإيران. تلك الحرب التي استمرت ثماني سنوات شكلت لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة، إذ دفعت إيران لاحقاً إلى التركيز بشكل كبير على تطوير قدراتها العسكرية والاقتصادية والعلمية، في محاولة لبناء قدر من الاستقلالية الاستراتيجية.
ويذهب بعض المحللين إلى أن التجارب القاسية، التي مرت بها دول المنطقة خلال العقود الماضية، دفعتها إلى إعادة التفكير في منظوماتها الدفاعية والاقتصادية، خاصة في ظل بيئة إقليمية، تتسم بعدم الاستقرار. وفي المقابل، يرى آخرون أن سباقات التسلح المتواصلة في الشرق الأوسط، تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي، بدلاً من أن تساهم في تهدئته.
أما على مستوى الواقع الميداني، فإن النزاعات الحديثة، لم تعد مجرد مواجهات تقليدية بين الجيوش، بل أصبحت تشمل أبعاداً متعددة، من الصواريخ الدقيقة إلى الحروب السيبرانية والاقتصادية والإعلامية.
ورغم التعتيم الإعلامي الذي قدظل يرافق إسرائيل، فإن الخسائر البشرية والمادية التي تكبدتها وتتكبدها، تظل حقيقة لا يمكن إخفاؤها بالكامل. فالحروب الحديثة لا تقتصر آثارها على الجبهات العسكرية، بل تمتد إلى المدن والبنى التحتية والمؤسسات الحيوية.
وفي هذا السياق، كثيراً ما يستحضر الباحثون سجلاً طويلاً لمشاركة الولايات المتحدة، في حروب أو تدخلات عسكرية أو عمليات سياسية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو سجل يمتد عبر عقود وقارات متعددة:
1945: الفلبين
1949: بورتو ريكو
1950 – 1953: الحرب الكورية
1953: غواتيمالا
1960: غواتيمالا
1961: كوبا
1964 – 1975: حرب فيتنام
1964 – 1973: لاوس
1964: البرازيل
1965: جمهورية الدومينيكان
1965 – 1973: كمبوديا
1973: تشيلي
1982 – 1984: لبنان
1983: غرينادا
1983 – 1989: هندوراس
1986: ليبيا
1987 – 1988: مواجهات مع إيران
1989 – 1990: بنما
ثم استمرت التدخلات في العقود اللاحقة:
1980 – 1992: السلفادور
1990 – 1991: حرب الخليج في العراق
1992 – 1994: الصومال
1993 – 1995: البوسنة والهرسك
تسعينيات القرن الماضي: عمليات مرتبطة بـ السودان
1999: أفغانستان
1999: يوغوسلافيا
2001 – 2021: الحرب في أفغانستان بعد “هجمات 11 شتنبر”
2003 – 2011: الحرب في العراق
2003: ليبيريا
2004: هايتي
2006: باكستان
2011: ليبيا
2014 – إلى الآن: سوريا
2015: اليمن
2017: النيجر
2024 – 2025: اليمن
2025: فنزويلا
إن قراءة هذا السجل الطويل، تكشف أن السياسة الدولية، لم تكن يوماً بعيدة عن منطق القوة والمصالح. وبين تحالفات متغيرة وصراعات مفتوحة، تبقى الشعوب في كثير من الأحيان، أول من يدفع ثمن الحروب والنزاعات.
ولهذا فإن التاريخ يذكرنا دائماً بحقيقة بسيطة:
القوى قد تصعد… لكنها تتراجع، وقد تتبهدل…
والأزمات مهما اشتدت لا تبقى إلى الأبد.
ففي السياسة، كما في التاريخ:
لكل بداية… نهاية.




