مجتمع

لماذا الظالم يكره أن يُظلم؟

ضربة قلم

في قلب الطبيعة البشرية تختبئ مفارقات غريبة، وكأن الكون ذاته يحب اختبار قدرة الإنسان على فهم ذاته. بين القوة والضعف، بين السيطرة والخضوع، يولد صراع داخلي لا يراه إلا من يجرؤ على مواجهة مرآة روحه. ومن بين هذه المفارقات، تلك التي تبدو أشدّ غرابةً: أن الظالم، الذي يدهس حقوق الآخرين بلا رحمة، هو أول من يصرخ حين يُظلم، كأن العدالة هي ملكية خاصة له وحده.

الظالم يعيش في عالمه البسيط المعقد: حين يظلمك يشعر بالقوة والسيطرة، وحين يُرد له الصاع، يتحول كل شيء إلى خداعٍ واهتمام بالذات. إنه يرفع شعارات المظلومية ببلاغة يحسدها عليها الفلاسفة، ويستشهد بالآيات والأحاديث، ويبكي أمام الكاميرات أو في المجالس، لكنه في خلوته يضحك على من صدّق دموعه.

ما يكرهه الظالم ليس الظلم في ذاته، بل شعور أنه فقد الكفة، وأن القوة التي اعتقد أنها ملكه الأزلية قد انتقلت إلى الآخرين. إنه يعرف الألم جيدًا، فقد جربه من الجهة الأخرى، لكنه لم يتوقع أن يدور الزمان، وأن يجد نفسه في موضع الضحية. هنا فقط يبدأ الترديد: “أين العدالة؟”، وكأن العالم ظلمّه، وليس هو من عذب الآخرين من قبل.

في المجتمعات التي تتكاثر فيها مظاهر الفساد، يصبح هذا النمط هو السائد: من يسرق باسم القانون، ويؤذي باسم المسؤولية، ثم يطالبك بالاحترام باسم الأخلاق. وعندما تواجهه، يتحول إلى ممثل محترف، يبكي دموعًا مصطنعة ويصرخ باسم الإنسانية، بينما الإنسانية تبحث عن ملجأ من نفاقه.

الظالم لا يحتمل الظلم لأنه لا يعرف الصبر ولا الكرامة؛ هو يملك الأنانية فقط. حين يُظلم، يشعر بالإهانة لأنه اكتشف أنه لم يعد المسيطر، وأن القوة ليست دائمًا في يده. وهنا تتضح مفارقة الحياة: أعظم دروس العدالة لا تُلقن في المحاكم، بل حين يدرك الظالم أنه أصبح على الكفة الأخرى، حين يلمس من تجربة الآخرين ما كان يفعله بنفسه بلا وعي.

في النهاية، لا يتكلم الكون، لكنه يعاقب بصمته؛ فالظالم يرى في ظلم غيره وجهه الحقيقي، وحين يسقط، يكتشف أن ارتفاعه لم يكن إلا سرابًا فوق رمالٍ رخوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.