الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

اقتصاد

لماذا يتصاعد الجدل حول وزير العدل؟ قراءة في السياق لا في الأشخاص

ضربة قلم

يخطئ من يختزل الجدل الدائر، حول وزير العدل في فكرة “الكراهية” أو “العداء الشخصي”. فالكلمات، حين تُستعمل بهذا الشكل، تُبسّط واقعًا معقدًا، وتحوّل نقاشًا عموميًا مشروعًا إلى صراع نفسي، أو أخلاقي، وهو ما لا يخدم لا الحقيقة، ولا النقاش الديمقراطي.

الأدق هو القول، إننا أمام توتر متراكم بين خطاب سياسي، ومجتمعي من جهة، وانتظارات اجتماعي ومهنية، من جهة أخرى. هذا التوتر لا يولد فجأة، ولا يرتبط بتصريح واحد، بل هو نتيجة مسار، وخيارات، وطريقة تواصل، وسياق سياسي عام.

من الاختلاف السياسي إلى التموقع السلطوي

أحد العناصر التي يتم تداولها بكثرة في النقاش العمومي هو التحول في المسار الحزبي لوزير العدل.
وهنا يجب التعامل مع الأمر ببرودة تحليلية:

  • الانتقال بين الأحزاب ليس جريمة سياسية ولا خطأ قانونيًا.

  • التاريخ السياسي المغربي، يعرف تحولات مماثلة، أملتها أحيانًا قناعات جديدة، وأحيانًا حسابات ظرفية.

لكن الإشكال، كما يراه كثيرون، لا يكمن في الانتقال نفسه، بل في الخطاب الذي رافق التحول، وفي الطريقة، التي تم بها تقديم الذات، بعد تقلد موقع السلطة.

فحين ينتقل الفاعل السياسي، من موقع نقدي، معارض، مشبع بخطاب اجتماعي أو حقوقي، إلى موقع تدبيري وسلطوي، يكون مطلوبًا منه:

  • أن يراجع لغته.

  • أن يوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المؤسساتية.

  • أن يدرك أن الكلمة، حين تصدر من موقع القرار، لا تُقرأ، كما تُقرأ من مقعد المعارضة.

الكلمة حين تصبح عبئًا على صاحبها

أحد أسباب الاحتقان، كما يظهر في النقاش العام، يرتبط بما يمكن تسميته سوء تقدير أثر الخطاب.

بعض العبارات التي قيلت في مناسبات مختلفة – دون حاجة لإعادة صياغتها أو تضخيمها – فُهمت من طرف فئات واسعة على أنها:

  • بعيدة عن الحس الاجتماعي العام،

  • أو غير منسجمة مع واقع اقتصادي صعب، تعيشه أغلبية الأسر،

  • أو صادمة، لأنها قيلت من موقع يفترض فيه التحفظ.

المشكلة هنا ليست في النية، بل في التلقي.
والسياسي، خصوصًا حين يكون وزيرًا للعدل، لا يُحاكم بنواياه، بل بتأثير كلامه.

العلاقة المتوترة مع الجسم المهني للمحامين

عنصر آخر لا يمكن تجاهله هو التوتر الذي شاب العلاقة بين وزارة العدل وجزء من هيئة المحامين، خاصة في سياق:

  • النقاش حول تعديل المسطرة الجنائية،

  • والإحساس السائد لدى عدد من المهنيين بأنهم لم يُستشاروا بالقدر الكافي،

  • أو أن ملاحظاتهم لم تُؤخذ بالجدية المنتظرة.

وهنا نصل إلى نقطة جوهرية:

وزير العدل، بحكم موقعه، ليس مجرد مسؤول حكومي، بل هو أيضًا شريك موضوعي للمحامين في بناء العدالة.

وحين يشعر هذا الجسم المهني بأن:

  • صوته غير مسموع،

  • أو أن النقد يُقابل أحيانًا بلغة دفاعية،
    فإن الاحتقان، يصبح شبه حتمي، حتى لو كانت النوايا حسنة.

من النقد إلى التأويل: كيف تتشكل “الصورة السلبية”؟

في المجتمعات التي تعاني من هشاشة الثقة، بين المواطن والمؤسسات، يكفي:

  • تصريح غير موفق،

  • أو تأخر في التواصل،

  • أو غياب الشرح المسبق للإصلاحات،

لكي تتحول الملاحظات، إلى سرديات غاضبة، وقد تتجاوز أحيانًا حدود الإنصاف.

وهنا بالضبط يتكون ما يُسمّى في الرأي العام بـ“الرفض” أو “النفور”، وهو في حقيقته:

  • تعبير عن قلق اجتماعي،

  • وشعور بعدم التمثّل،

  • وخوف من أن تُتخذ قرارات كبرى، دون إشراك حقيقي.

خلاصة أكثر واقعية دون انزلاق قانوني

بعيدًا عن المجاملات اللفظية، يصعب إنكار أن جزءًا مهمًا من الرأي العام لا ينظر بارتياح إلى وزير العدل، وهو شعور، لا يمكن عزله، عن السياق العام، الذي تشكّل فيه، ولا عن تراكم مواقف وتصريحات، وخيارات تواصلية، أثارت نقاشًا واسعًا، وأحيانًا استياءً واضحًا.

هذا الرفض، كما يتداوله الناس، لا يُفهم بالضرورة على أنه موقف شخصي أو حكم أخلاقي، بل هو انعكاس لعلاقة متوترة، بين خطاب رسمي وانتظارات اجتماعية مرتفعة، وبين موقع مؤسساتي حساس، وكلمة لم تُحسن دائمًا قراءة أثرها خارج دوائر القرار.

إنها حالة أقرب إلى نفور سياسي واجتماعي، حيث يشعر كثيرون بأن المسافة اتسعت بين المسؤول، ومشاعر المواطنين، وبين لغة السلطة، وإكراهات الواقع اليومي. وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الإشكال في وجود النقد، بل في استمرار أسبابه دون معالجة حقيقية.

ويبقى المؤكد أن ترميم هذه العلاقة، لا يمر عبر إنكار هذا الشعور أو التقليل منه، بل عبر مراجعة أساليب التواصل، وتوسيع دائرة الحوار، والاعتراف بأن الثقة، حين تتصدع، لا تُستعاد بالشعارات، بل بالفعل الهادئ والإنصات الصادق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.