لمن لا وطن له… الموتُ حضنٌ رحيم

ضربة قلم
في قلب المدن الصاخبة، وعلى هامش أرصفة مكسورة، يعيش بشر بلا أسماء، بلا وجوه، بلا أحد ينتظرهم في المساء. هُم أبناء التشرد، أولئك الذين لفظتهم الحياة كما تُلفظ بقايا الطعام في سلال القمامة. ليس لهم من الوطن سوى بطاقة هوية ممزقة، وذكريات تُعذّبهم أكثر مما تُعزيهم.
نلتقي بهم كل يوم… دون أن نراهم.
رجل يلف نفسه ببطانية متسخة على باب متجر مغلق، وجهه مغطى بلحية بيضاء غير مهذبة، عيناه تحدقان في الفراغ كمن يُجري حوارًا صامتًا مع الألم. إلى جانبه، طفلة صغيرة تمصّ إصبعها، ترتجف من البرد، لا تعرف طعم المدرسة، ولا معنى الطفولة. أمٌّ تنام على قطعة كرتون بجوار مولودها، تحاول أن تقنعنا بأنهم نيام، بينما الحقيقة أنهم فقط يحاولون النجاة من الجوع والبرد والخذلان.
تشرد الأطفال… خيانة جماعية
ماذا نقول عن طفل في السابعة يشمّ “السيلسيون” ليتناسى جوعه؟ أو عن فتاة مراهقة تبيع جسدها مقابل رغيف؟ هل ما زلنا نجرؤ على الحديث عن “المنظومة التربوية”، ونحن لا نعرف أسماءهم، ولا عددهم، ولا حتى أحلامهم التي دفنوها مبكرًا تحت جسر أو بجانب حاوية قمامة؟
أليست الدولة التي تهملهم مذنبة؟ أليست الأسرة التي تخلت عنهم شريكة في الجريمة؟ أليست أعيننا، التي اعتادت رؤيتهم دون أن تتأثر، جزءًا من المأساة؟
العجزة والمجانين… وحدهم في عزلة مزدوجة
في بعض الأحياء، نرى مسنين يجلسون لساعات طويلة على الأرصفة، يمدّون أيديهم بحثًا عن دريهمات. ماذا بقي لهم بعد عمر طويل من الشقاء؟ معاش لا يكفي لشراء خبز ودواء؟ أم أبناء هجروهم كما يُهجر كرسي مكسور في زاوية مظلمة؟
وهناك آخرون اختلّ توازنهم العقلي، يتحدثون مع أنفسهم، يضحكون فجأة، أو يصرخون في وجه المارّة. لا مشفى يحتضنهم، ولا رعاية تتكفّل بهم. فقط الشارع، والجدران التي لا تشفق.
وطن بلا مأوى… وطن ناقص العدالة
في مغرب يمتلك شواطئ ساحرة، واحتياطيات فوسفاط، وأرصدة ضخمة في حسابات البعض، هناك من لا يمتلك غطاءً يقيه برد يناير، ولا وجبة تسدّ رمقه. في بلد يحتفل بيوم “حقوق الإنسان”، يموت الناس بصمت تحت الجسور.
نهاية بلا ضوء
لا شيء يوجع أكثر من أن نرى إنسانًا يُعامل كحشرة، يُداس كأنه لا يملك حق الحياة. هؤلاء المتشردون ليسوا غرباء. إنهم نحن… لو ساءت الظروف قليلاً. هم مرآة قاسية لمجتمع فقد ضميره، ورضي أن يتعايش مع الألم كأنّه لا يعنيه.
فليت من يقرأ… يبكي قليلاً.
فلربما حرّكت دموعه يدًا نحو تغيير طال انتظاره.




