الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

لم أتعلم سرقة الأبناك.. ولا سرقة أحلام الناس!

محمد صابر

لم أكن أحلم، وأنا صغير، أن أصبح سارق أبناك، ولا أن أصبح سياسياً يسرق أحلام الناس، أو تاجراً يتاجر في هموم عباد الله، أو واحداً من أولئك الذين يتقنون فن تحويل حاجة الآخرين، إلى سلّم يصعدون عليه نحو مصالحهم.

كان حلمي، وما زال، أكثر بساطة من كل ذلك بكثير.

كنت أحلم أن أعيش حياة هادئة، أن أستيقظ في الصباح وقلبـي خفيف، وأن أنام في المساء، وضميري لا يطالبني بتفسير ما فعلت. كنت أحلم براحة البال، تلك النعمة التي لا تُشترى بالمال، ولا تمنحها المناصب، ولا تأتي مع التصفيق، ولا تسكن بالضرورة في البيوت الكبيرة.

كنت أريد فقط أن أعيش كما أنا، بعيداً عن الضجيج، وعن الحسابات الصغيرة، وعن المتاهات التي يدخلها الإنسان أحياناً، وهو يظن أنه يعرف طريق الخروج، ثم يكتشف أنه أصبح جزءاً من المتاهة نفسها.

أعرف جيداً أن المعقول لا يُؤدَّى عنه دائماً، وأن الإنسان النظيف، قد يجد نفسه في آخر الصف، بينما يتقدم صاحب المصلحة بسرعة البرق. وأعرف أيضاً أن الانتهازية، قد تحقق لصاحبها أحلاماً كبيرة، وقد تفتح له أبواباً كثيرة، وقد تمنحه المال والمكانة وربما النفوذ.

لكنني أعرف، في المقابل، أن كل ذلك، قد يكون مثل الماكياج الجميل فوق وجه متعب.

فالماكياج، يخفي العيوب لبعض الوقت، لكنه لا يغيّر حقيقة الوجه.

والانتهازية، قد تمنح صاحبها ما يريد، لكنها لا تمنحه بالضرورة ما يحتاج إليه فعلاً: السعادة الحقيقية وراحة البال.

هناك أشياء كثيرة يمكن للإنسان، أن يشتريها، لكنه لا يستطيع شراء ضميره إذا باعه، ولا يستطيع استرجاع سنوات عاشها وهو يخون نفسه، ولا يستطيع أن يشتري ليلاً هادئاً، إذا كان رأسه ممتلئاً بما فعل في النهار.

وأحياناً، كل ما يحتاجه الإنسان في نهاية المطاف، ليس قصراً ولا سيارة فاخرة ولا كرسياً عالياً، وإنما وسادة يضع عليها رأسه، دون أن تطارده الوجوه التي ظلمها، أو الكلمات التي كذب بها، أو الوعود التي قطعها، وهو يعرف مسبقاً أنه لن يفي بها.

أعرف أيضاً أن العيش في مجتمع يفيض بالتناقضات، ليس سهلاً.

مجتمع يمكن أن يرفع شخصاً، لأنه يعرف كيف ينافق، ويخفض آخر، لأنه اختار أن يكون صريحاً. مجتمع قد يكافئ الانتهازي، لأنه يعرف من أين تؤكل الكتف، بينما ينظر إلى الإنسان النقي، باعتباره ساذجاً، وربما تعتبر طيبة قلبه نقطة ضعف.

وفي مثل هذه الحياة، يصبح الاحتفاظ بنظافة القلب، نوعاً من المقاومة.

أن تبقى نظيفاً وسط كل هذا الغبار، ليس أمراً بسيطاً.

أن ترفض أن تتحول إلى نسخة أخرى ممن آذوك، وأن ترفض أن تنتقم من الحياة، بسبب ما فعله بك بعض الناس، وأن تظل قادراً على مد يدك لمن يحتاجها، رغم أنك ذقت الخذلان من قبل… فذلك في حد ذاته انتصار. انتصار على الألم، وعلى الرغبة في رد الأذى بالأذى، وعلى كل ما كان يمكن، أن يجعلك شخصاً آخر غير الذي أردت أن تكونه.

قد يقول البعض إن النقاوة، لا مكان لها في هذا الزمن.

وقد يقول آخرون، إن الطيبين يخسرون دائماً.

لكنني لا أعتقد ذلك.

فالإنسان النقي، قد يخسر صفقة، لكنه لا يخسر نفسه.

وقد يخسر منصباً، لكنه لا يخسر احترامه لذاته.

وقد يتأخر في الوصول، لكنه عندما يصل، لا يحتاج إلى أن يخجل من الطريق الذي سلكه.

والأجمل من ذلك كله، أن الخبث، مهما انتشر، لا ينجح في احتلال العالم بأكمله.

وسط كل هذا الضجيج، هناك دائماً أناس لا يزالون يشبهون الصباح.

أناس لا يبحثون عن الأضواء، ولا يتاجرون في صداقاتهم، ولا يبيعون مواقفهم بأثمان مختلفة، حسب السوق والظرف والجهة.

أناس قد لا نعرف أسماءهم، وقد لا نراهم في الصفوف الأولى، لكنهم موجودون.

هم الذين يثبتون لنا، أن الإنسان لم يفقد إنسانيته بالكامل.

هم الذين يشبهون الأكسجين الذي نتنفسه دون أن نشعر بوجوده.

فكما لا ننتبه إلى الهواء ،إلا عندما يضيق علينا النفس، لا ننتبه أحياناً إلى قيمة الإنسان النقي، إلا عندما يكثر حولنا أصحاب الأقنعة.

وفي كل مجتمع، مهما كثرت فيه التناقضات، ومهما انتشر فيه نكران الجميل، ومهما أصبح الخبث جزءاً من بعض العلاقات، تظهر بين الحين والآخر وجوه تخرج عن القاعدة.

وجوه تقول لك، دون خطب ولا شعارات: لا يزال الخير موجوداً.

لا يزال هناك من يساعد، دون أن يصور مساعدته.

ومن يحب، دون أن يحول الحب إلى صفقة.

ومن يصادق، دون أن ينتظر مقابلاً.

ومن يعطي دون أن يضع فاتورة تحت يد من أعطاه.

ومن يقول الحقيقة، حتى عندما تكون الحقيقة مكلفة.

هؤلاء هم الذين يعطوننا الأمل.

ليس لأنهم يستطيعون تغيير العالم وحدهم، ولكن لأن وجودهم، يذكرنا بأن العالم لم يتغير كله.

ولهذا، ربما كان أكبر انتصار، يمكن أن يحققه الإنسان في هذه الحياة، هو ألا يسمح للعالم، بأن يغيّره إلى الأسوأ.

أن يمر وسط كل هذا الضجيج، ويحتفظ بصوته الداخلي.

أن يرى الخبث، ولا يتعلمه.

أن يتعرض لنكران الجميل، ولا يصبح جاحداً.

أن يُخدع، ولا يتحول إلى مخادع.

أن يُظلم، ولا يجعل الظلم فلسفة حياة.

وأن يكبر، دون أن يقتل الطفل الذي كان يسكن داخله، ويحلم بحياة بسيطة ونظيفة.

أما أنا، فلم أكن أحلم يوماً، بأن أصبح سارق أبناك، ولا سارق أحلام، ولا تاجراً في أحزان الناس.

كنت وما زلت أحلم بشيء يبدو بسيطاً، لكنه في الحقيقة أغلى من كل الثروات:

أن أعيش ما تبقى من العمر وقلبـي مرتاح، وضميري هادئ، ووجهي يشبهني، ولا أحتاج إلى أن أشرح لنفسي كل ليلة لماذا أصبحت شخصاً لا أعرفه.

وربما، في زمن أصبح فيه الكثيرون يتنافسون على امتلاك الأشياء، يكون أعظم ما يمكن أن يمتلكه الإنسان هو…

نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.