
محمد صابر
أحتمي اليوم بالذاكرة وأعود إلى زمن بعيد، إلى أيام دخلت فيها الصحافة من باب الشغف، لا من باب الامتيازات، ومن باب القناعة لا من باب المصالح. كان ذلك في أواسط الثمانينيات، يوم كان بارود سنوات الرصاص ما يزال عالقاً في الهواء، ويوم كانت الكلمة، تزن أحياناً أكثر مما يزن صاحبها. يومها لم يكن الصحافي نجماً، ولا صاحب نفوذ، ولا باحثاً عن الريع. كان مجرد عاشق لمهنة المتاعب، يحمل قلماً ويواجه به عالماً كاملاً من الصعوبات.
أتذكر أنني حين سكن رأسي هوس الصحافة، وانخرطت في هذه المهنة، كانت البلاد تعيش مرحلة مختلفة بكل المقاييس. كان مقدمو الأخبار في القناة التلفزية الوحيدة آنذاك، قناة دار البريهي، أشخاصاً بسطاء قريبين من الناس، لا تفصلهم عن المواطنين حواجز الشهرة ولا امتيازات المناصب. بل إن بعضهم، كان يتوجه بعد انتهاء عمله إلى المقاهي الشعبية، لتناول وجبة “البيصارة”، في صورة تختزل زمناً كانت فيه المهنة رسالة، قبل أن تصبح عند البعض وسيلة للبحث عن المكاسب.
بعد تجربة قصيرة الأمد في إحدى الصحف الوطنية، التي كانت بحق مدرسة تخرج منها كبار الصحافيين المغاربة، خضنا تجربة تأسيس جريدة جهوية استمرت لأكثر من ثلاثة عقود. وخلال هذه المسيرة الطويلة، شاهدنا عناوين كثيرة تظهر وتختفي بسرعة البرق، لأن الصحافة حين تتحول إلى مجرد مشروع للربح السريع، ينهار أصحابها في منتصف الطريق. أما نحن، فقد تعلمنا الصبر ونكران الذات ،والإيمان بأن الكلمة الصادقة، تحتاج إلى نفس طويل.
ولن نتحدث هنا عن الأخبار والمواد الصحفية، التي كنا ننشرها، فتحدث رجات حقيقية داخل الإدارات والمؤسسات، وتؤدي أحياناً إلى تغيير مسؤولين أو إعادة النظر في قرارات، كانت تبدو محصنة من أي مساءلة. ولن نتحدث عن التحقيقات والربورتاجات الميدانية التي كنا ننتقل من أجل إنجازها بين المدن والقرى، نتحمل مشقة السفر والسهر والتعب، فقط لأننا كنا نؤمن أن الصحافة الحقيقية، لا تُمارس من خلف المكاتب، بل من قلب الميدان.
ولن نتحدث أيضاً عن السلسلة المطولة من المواد الصحفية التي خصصناها لقضية اختفاء الشاب رشيد بنحيون، وهي القضية التي ما تزال إلى اليوم لغزاً يثير الكثير من الأسئلة وعلامات الاستفهام. يومها تابعنا الملف بإصرار مهني وإنساني، وحاولنا الاقتراب من مختلف خيوطه ومعطياته، في وقت كان كثيرون يفضلون الصمت أو الابتعاد عن الخوض فيه. وهي القضية نفسها التي كانت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، قد استمعت فيها إلى المدعو هشام آيت مانة، ضمن مجريات البحث والتحقيق الذي أحاط بهذا الملف الشائك.
لم تكن تلك الأعمال بالنسبة إلينا مجرد مواد لملء صفحات الجريدة، أو تحقيق نسب قراءة مرتفعة، بل كانت جزءاً من قناعة راسخة، بأن وظيفة الصحافة هي البحث عن الحقيقة وخدمة المجتمع، حتى عندما يكون الطريق نحو تلك الحقيقة مليئاً بالصعوبات والعراقيل والضغوط.
وعندما بلغت الجريدة التي كنا نسهر على إدارتها ورئاسة تحريرها، مرحلة من النضج والانتشار، وبدأت تستقبل الإشهارات وطلبات النشر، بدأت في المقابل المضايقات والعراقيل تتكاثر. فقد كان هناك، من لا يطيق وجود منبر مستقل يرفض الانبطاح، ويرفض أن يتحول إلى بوق للتطبيل أو وسيلة لتصفية الحسابات.
ومن بين أصعب المحطات التي عشناها، تلك المتعلقة ببعض أصحاب النفوذ، الذين كانوا يفضلون صحافة المديح على صحافة النقد. وللأسف، فقد كان هناك “صحافيون وإعلاميون” اعتادوا الاستفادة من الامتيازات والعطايا المختلفة، بل إن حديث “الصندوق الأسود” لم يكن مجرد إشاعة تتداولها المقاهي، بل كان موضوعاً يعرفه الكثيرون في الكواليس.
لقد رفضنا أكثر من مرة الانخراط في منطق الامتيازات. وأتذكر جيداً حين طُلب منا تقديم طلب للاستفادة من مأذونية، مع وعد بتتبع الملف على أعلى المستويات. كان جوابنا واضحاً: كيف يمكن لمن يحارب اقتصاد الريع، أن يغرق فيه؟ رفضنا الأمر من منطلق القناعة، لا من منطلق المزايدة.
كما رفضنا الاستفادة من امتيازات عقارية أو من بقع أرضية أو من مشاريع سكنية، كانت توزع أحياناً في ظروف، تثير أكثر من سؤال. وكنا نتابع بأسف، كيف تحولت بعض المشاريع الاجتماعية، إلى غنائم يتقاسمها أصحاب النفوذ والمقربون وحتى الأذناب، فيما بقي أصحاب الحقوق الحقيقيون ينتظرون دورهم.
اليوم، تغيرت أشياء كثيرة في عالم الصحافة. ففي المحمدية، كما في مدن أخرى، أصبح لقب “صحافي” متاحاً أكثر من أي وقت مضى. لم يعد الأمر يتطلب سنوات من التكوين أو الاحتكاك بالمهنة أو الجلوس إلى جانب كبار الأساتذة، لتعلم أبجديات التحرير والتحقيق والاستقصاء. فمن بين من اقتحموا المجال، من كان في السابق بائعاً للأقراص المدمجة (السيديات)، ومن كان يشتغل في النقل السري، ومن كان يمتهن مسح الأحذية أو غيرها من المهن الشريفة التي لا عيب فيها إطلاقاً. فالعيب ليس في المهنة الأصلية، بل في الاعتقاد، بأن الانتقال إلى الصحافة، لا يحتاج إلى تكوين، ولا إلى أخلاق مهنية، ولا إلى احترام لقواعد المهنة.
لقد تعرضنا للمحاكمات والضغوط والمضايقات، وخسرنا الكثير من الراحة، وربما الكثير من الفرص أيضاً، لكننا لم نخسر احترامنا لأنفسنا. فالصحافة بالنسبة إلينا، لم تكن وسيلة للاغتناء أو للحصول على الامتيازات، بل كانت رسالة، ندافع عنها مهما كانت التضحيات.
واليوم، وبعد كل هذه السنوات، تعلمنا درساً بسيطاً وعميقاً في آن واحد: أن أصحاب المصالح يمضون، وأن الذين اعتقدوا أن النفوذ أبدي يختفون مع تغير الأزمنة. أما الصحافي الجاد، ذلك المزعج وغير المرغوب فيه، والذي يرفض الانبطاح ويصر على الاحتفاظ بمسافة بينه وبين أصحاب القرار، فإنه قد يخسر الكثير من المعارك الصغيرة، لكنه يربح معركة واحدة لا تقدر بثمن: أن يظل وفياً لنفسه وللقلم الذي حمله منذ البداية.
ونعرف أيضاً أن الحقراء وعابري الطريق يملؤون المشهد أحياناً بالضجيج، لكنهم سرعان ما يتحولون إلى مجرد ذكرى عابرة. أما الكلمة الصادقة فتبقى، ويبقى أثر أصحابها بما كتبوا، وبما رفضوا، وبما تحملوا من أذى في سبيل الدفاع عن قناعاتهم. فالتاريخ لا يحتفظ طويلاً بأصحاب الامتيازات والمنافع، بل بأصحاب المواقف الذين اختاروا الوقوف إلى جانب الحقيقة، مهما كان الثمن، وتظل أسماؤهم حاضرة حتى بعد مماتهم، لأن الرجال يرحلون، أما المواقف الصادقة فتبقى شاهدة عليهم عبر الزمن.
ورغم كل ما عشناه، ما زلنا نمارس ونحب هذه المهنة التي سال الحبر والعرق من أجلها، والتي دفعت أجيال من الصحافيين أثماناً باهظة دفاعاً عنها. وما زلنا نؤمن أن صاحبة الجلالة تستحق من يخدمها بإخلاص، لا من يتاجر باسمها في السياسة أو في الملفات والقضايا المختلفة. ويبقى عزاؤنا أن الزمن كفيل بفرز الجميع، وأن الحقيقة، مهما طال حصارها، تجد دائماً طريقها إلى النور.



