الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعاقتصاد

لهذا السبب تراجعت أثمنة الدلاح بالمغرب..

ضربة قلم

في المغرب، هناك مؤشر اقتصادي، لا يحتاج إلى خبراء صندوق النقد الدولي، ولا إلى تقارير البنوك المركزية، بل يكفي أن تمر بجانب عربة خضر أو سوق أسبوعي، لتعرف أن شيئاً ما وقع. فإذا وجدت الدلاح يباع بثلاثة دراهم للكيلوغرام، فاعلم أن أوروبا لم تعد تفتح ذراعيها كما كانت، وأن ما رفضته الموانئ الأوروبية، استقبلته الأسواق المغربية، بابتسامة ممزوجة بالحيرة.

الدلاح، الذي تحول في السنوات الأخيرة إلى “نجم الصادرات”، عاد هذه الأيام إلى حضن المستهلك المغربي، ليس حباً فيه، ولكن لأن جزءاً مهماً من الكميات، التي كانت تشق طريقها نحو موائد الأوروبيين، لم تعد تجد المكان نفسه في الأسواق الخارجية.

وتكشف المعطيات الحديثة أن صادرات المغرب من البطيخ، نحو دول الاتحاد الأوروبي خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026، عرفت تراجعاً قوياً، إذ انخفضت الكميات المصدرة بحوالي 44 في المائة، مقارنة بسنة 2022، ليستعيد إقليم ألميريا الإسباني الصدارة، بينما تراجع المغرب إلى المركز الثاني، بين أبرز المزودين للسوق الأوروبية.

وهنا تبدأ المفارقة التي لا تخلو من سخرية.

فالدلاح المغربي، الذي كان الأوروبي يدفع مقابله أكثر من نظيره الإسباني، وجد نفسه يخسر جزءاً من حصته السوقية، رغم أن متوسط سعره بلغ حوالي 1.23 يورو للكيلوغرام، مقابل 1.01 يورو فقط للبطيخ القادم من ألميريا الإسبانية.

بمعنى آخر، لم تكن المشكلة في الجودة، ولا حتى في السعر النهائي الذي يحققه المصدر المغربي، وإنما في شراسة المنافسة، وفي قدرة المنافسين على فرض حضورهم، داخل الأسواق الأوروبية بوتيرة أكبر.

وفي النهاية، عندما يقل الطلب الخارجي، لا تحتاج إلى معجزة اقتصادية حتى تفهم ما سيحدث. فالكميات التي كانت تستعد لركوب السفن والشاحنات نحو أوروبا، تجد نفسها فجأة، تبحث عن مشترين داخل المغرب، فتزداد الوفرة، ويبدأ قانون العرض والطلب في أداء دوره بكل هدوء… بينما يفرح المستهلك المغربي، ولو مؤقتاً.

ومن المفارقات الساخرة أن المواطن، الذي ظل سنوات يسمع أن أفضل المنتوجات المغربية، تسافر إلى الخارج، وجد نفسه هذه المرة يستفيد من “برودة” السوق الأوروبية. فكلما تباطأت الصادرات، ازدادت فرصه في شراء الدلاح بثمن معقول، بعد أن كان ينظر إليه أحياناً، كما ينظر إلى هاتف ذكي بالتقسيط!

لكن، في المقابل، لا ينبغي أن يخدعنا انخفاض الأسعار. فالأمر لا يعكس بالضرورة نجاحاً في تنظيم السوق الداخلية، بقدر ما يعكس صعوبة في تسويق جزء من الإنتاج خارجياً. وما يسعد المستهلك اليوم، قد يقلق المنتج والفلاح والمصدر الذين يراهنون على الأسواق الأوروبية، لتحقيق هوامش ربح أكبر.

وفي الأرقام، صدر المغرب خلال الفترة الممتدة من يناير إلى ماي 2026 حوالي 79.7 مليون كيلوغرام من البطيخ نحو الاتحاد الأوروبي، وهو ما يمثل نحو 19 في المائة، من إجمالي واردات هذه السوق، بينما تمكنت ألميريا الإسبانية من تصدير ما يقارب 96.7 مليون كيلوغرام، متقدمة بحوالي 17 مليون كيلوغرام عن المغرب، في حين جاءت البرازيل وكوستاريكا وموريتانيا ضمن أبرز المنافسين.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل الأمر مجرد تراجع ظرفي مرتبط بالمنافسة الموسمية، أم أن المغرب مطالب بإعادة النظر في استراتيجيته التسويقية، حتى لا يفقد المزيد من الأسواق التي ظل يعتبرها لسنوات، امتداداً طبيعياً لصادراته الفلاحية؟

أما المواطن المغربي، فهو لا يدخل في كل هذه الحسابات المعقدة. كل ما يعنيه هو أن البائع الذي كان يقول قبل أشهر: “الدلاح غالي حيث كيمشي كامل للتصدير”، أصبح اليوم يقول: “خود جوج… راه كاين بزاف!”

وهكذا، للمرة الأولى منذ مدة، يبدو أن الأوروبي عندما اشترى أقل… أكل المغربي أكثر، وابتسمت جيوبه قليلاً، ولو إلى أن يجد التجار، سبباً جديداً لإعادة الأسعار إلى التحليق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.