لهذا يهاجر الاتحاديون حزب إدريس لشكر

ضربة قلم
تشهد الساحة السياسية المغربية، منذ سنوات، نزيفًا تنظيميًا داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، تمثل في مغادرة عدد من مناضليه وقياداته التاريخية صفوفه، أو دخولهم في حالة جمود تنظيمي صامت. ظاهرة “هجرة الاتحاديين” لم تعد مجرد حالات فردية معزولة، بل تحولت إلى مؤشر على أزمة أعمق ترتبط بأسلوب القيادة، وبالتحولات التي عرفها الحزب في علاقته بقواعده وبمحيطه السياسي، في ظل استمرار إدريس لشكر على رأس التنظيم لولايات متتالية.
1. من حزب الحركة التاريخية إلى حزب القيادة الطويلة
ارتبط اسم الاتحاد الاشتراكي في الذاكرة الجماعية بالنضال الديمقراطي، وبشخصيات وازنة صنعت جزءًا من تاريخ المعارضة الوطنية، وراكمت رصيدًا أخلاقيًا ورمزيًا كبيرًا. غير أن هذا الإرث، في نظر عدد من الاتحاديين، لم يُترجم إلى دينامية تنظيمية جديدة، بل جرى استثماره لتكريس استمرارية القيادة نفسها، ما خلق شعورًا متناميًا، بأن الحزب لم يعد مدرسة سياسية بقدر ما صار جهازًا مغلقًا على نواة ضيقة من القرار.
طول أمد القيادة، تحوّل من عنصر استقرار إلى عامل احتقان، إذ اعتبره معارضون داخل الحزب، خرقًا لروح التداول الديمقراطي التي لطالما تبناها الاتحاد نظريًا، ودافع عنها في خطابه السياسي.
2. أزمة الديمقراطية الداخلية: حين يصبح الخلاف تهمة
من أبرز دوافع الهجرة الاتحادية، شعور فئات واسعة من المناضلين، بأن آليات النقاش الداخلي، تراجعت لصالح منطق “الانضباط للقرار الجاهز”. فالخلاف، الذي كان في زمن سابق مصدر غنى فكري داخل الحزب، صار في كثير من الأحيان يُفهم كتمرد تنظيمي أو تشويش على القيادة.
هذا التحول في مناخ الحزب، دفع عدداً من الأطر إلى الانسحاب بصمت، وآخرين إلى إعلان القطيعة العلنية، معتبرين أن الاتحاد، فقد إحدى خصائصه الأساسية: التعدد داخل الوحدة.
3. الترشيحات الانتخابية… من النضال إلى منطق الولاء
في محطات انتخابية متتالية، تفجرت خلافات حادة حول التزكيات، حيث اشتكى مناضلون محليون من إقصائهم لصالح أسماء وُصفت بأنها “مقرّبة من القيادة”، بغض النظر عن رصيدها النضالي أو امتدادها الشعبي، دون الحديث عن الوافدين الجدد…
هذا الوضع خلق إحساسًا بالظلم التنظيمي، ورسّخ لدى بعض الاتحاديين، قناعة بأن الحزب، لم يعد فضاءً للترقي السياسي عبر النضال، بل عبر القرب من مراكز القرار. وهنا بدأت الهجرة تأخذ طابعًا عمليًا: إما اعتزال السياسة، أو الانتقال إلى أحزاب أخرى توفر فرصًا انتخابية أو تنظيمية أفضل.
4. التراجع الانتخابي وفقدان الجاذبية السياسية
سجّل الاتحاد الاشتراكي خلال السنوات الأخيرة تراجعًا ملموسًا، في نتائجه الانتخابية مقارنة بماضيه، ما أثّر في صورته كقوة سياسية وازنة. هذا التراجع لم يُقرأ فقط كفشل انتخابي، بل كفشل في تجديد الخطاب والبرنامج، وفي استقطاب فئات الشباب والطبقة الوسطى التي كانت تشكل خزانه التقليدي.
بالنسبة لكثير من الاتحاديين، لم تعد للانتماء إلى الحزب نفس القيمة الرمزية والسياسية، التي كانت في السابق، وهو ما جعل البقاء داخله يبدو، عند البعض، كرهان خاسر على المدى المتوسط والبعيد.
5. أزمة الهوية: يسار بلا مشروع؟
يرى منتقدو القيادة الحالية، أن الحزب دخل مرحلة غموض أيديولوجي: فلا هو يسار اجتماعي واضح المعالم، ولا هو حزب وسط ببرنامج إصلاحي مقنع. هذا التذبذب في الموقع السياسي أضعف خطابه، وجعل قواعده في حيرة: هل الاتحاد حزب احتجاجي أم حزب تدبير؟ حزب معارضة أم حزب تحالفات ظرفية؟
غياب مشروع سياسي جامع أعاد طرح سؤال “لماذا نبقى اتحاديين؟” وهو سؤال جوهري تحوّل عند البعض إلى قرار عملي بالمغادرة.
6. المؤتمر والتمديد: لحظة مفصلية في مسلسل الهجرة
شكلت المؤتمرات الأخيرة، وخاصة ما رافقها من نقاش حول القوانين الداخلية وإمكانية التمديد للقيادة، نقطة تحول حاسمة. فبدل أن تكون مناسبة لإعادة الثقة وتجديد الدماء، تحولت في نظر معارضين إلى لحظة تكريس للأمر الواقع.
هنا انتقلت الهجرة من مستوى التذمر الصامت إلى مستوى القطيعة السياسية والفكرية، حيث اعتبر بعض الاتحاديين أن الحزب دخل مرحلة “القيادة المؤبدة”، وهو ما يتناقض جذريًا مع مرجعيته التاريخية.
7. الهجرة الاتحادية: أزمة حزب أم أزمة يسار؟
لا يمكن فهم هجرة الاتحاديين بمعزل عن السياق العام لأزمة اليسار المغربي، الذي يعاني من ضعف التنظيم، ومن صعوبة التكيف مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية. غير أن خصوصية الاتحاد، تكمن في أنه كان، في وقت من الأوقات، عمود هذا اليسار، ما يجعل أزمته أكثر رمزية وأشد وقعًا.
هجرة الاتحاديين ليست فقط رفضًا لشخص أو قيادة، بل تعبير عن خيبة أمل في تجربة سياسية كاملة، وعن شعور بأن حزبًا كان يُجسد الأمل في التغيير، صار عاجزًا عن تغيير نفسه أولًا.
خلاصة
إن هجرة الاتحاديين من حزب إدريس لشكر ليست حدثًا عابرًا، بل نتيجة تراكمات طويلة من:
-
غياب التداول الديمقراطي على القيادة.
-
ضعف الديمقراطية الداخلية.
-
توترات مرتبطة بالترشيحات والتمثيلية.
-
تراجع الحضور الانتخابي والسياسي.
-
أزمة هوية وبرنامج.
وهي، في العمق، مؤشر على أن الاتحاد الاشتراكي يعيش واحدة من أصعب لحظاته التاريخية: إما أن ينجح في تجديد ذاته جذريًا، أو يستمر مسلسل الهجرة إلى أن يتحول الحزب إلى مجرد ذكرى سياسية، في أرشيف الحركة الوطنية واليسارية بالمغرب.




