الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعسياسة

لو سكت بعض “ساستنا” عن الحريك الجماعي… لكان ذلك أبلغ!

ضربة قلم

بعد مشاهد الحريك الجماعي نحو سبتة، خرج علينا بعض ساسة آخر الزمن، بتصريحات مليئة بالحكمة المتأخرة، وكأنهم اكتشفوا فجأة أن آلاف الشباب، لا يركبون الأمواج حباً في السباحة، ولا يغامرون بحياتهم، لأنهم يعشقون المغامرات البحرية، وإنما لأن شيئاً ما في واقعهم، لم يعد يقنعهم بالبقاء.

المفارقة المضحكة المبكية، أن بعض من تصدروا المشهد للتعليق، هم أنفسهم ينتمون إلى الطبقة السياسية التي ظلت، لسنوات طويلة، تعد المغاربة بالرخاء والكرامة، وفرص الشغل، والعدالة الاجتماعية، قبل أن تكتشف، بعد وقوع الكارثة، أن هناك شباباً يفكرون في الهجرة!

وكأن الحريك، نزل عليهم من السماء…

وكأن البطالة، لم تكن موجودة…

وكأن الغلاء، لم يرهق الأسر…

وكأن الإحساس بانسداد الأفق، مجرد إشاعة، تتداولها مواقع التواصل الاجتماعي.

بدلاً من أن يلتزم البعض بشيء من التواضع السياسي، انبرى إلى إلقاء الدروس في الوطنية، وإلى توزيع صكوك الانتماء، وإلى البحث عن شماعات يعلق عليها الأزمة، بينما السؤال الحقيقي الذي ينتظر المغاربة جواباً بسيطاً هو:

ماذا قدمتم أنتم حتى يختار الشباب البقاء بدل المغادرة؟

السياسة، في جوهرها، ليست سلسلة من البلاغات والتدوينات والكاميرات والابتسامات، أمام عدسات المصورين، بل هي القدرة على جعل المواطن، يشعر بأن مستقبله هنا، لا في الضفة الأخرى.

فحين يصبح البحر، بكل مخاطره، أقل رعباً من المستقبل، الذي يراه بعض الشباب أمامهم، فهناك أزمة، تستحق وقفة تأمل حقيقية، لا مجرد خطب موسمية.

لقد اعتاد بعض الساسة، كلما انفجرت أزمة، أن يتحولوا فجأة إلى خبراء في علم الاجتماع، وعلم النفس، وعلم الجغرافيا، وحتى علوم البحار. يفسرون الظواهر، ويحللونها، ويصدرون الأحكام، وكأنهم لم يكونوا يوماً جزءاً من منظومة اتخاذ القرار.

وعندما يتعلق الأمر بالنجاحات، تجد الجميع يتسابق لالتقاط الصور وتوزيع التهاني.

أما عندما تقع الانتكاسات، فيختفي الجميع خلف عبارة سحرية: “هناك أطراف أخرى مسؤولة.”

يا للعجب!

في السياسة المغربية، يبدو أن النجاح له ألف أب، أما الفشل فهو يتيم.

الحقيقة أن الأزمات الكبرى، لا تولد في ليلة واحدة، وإنما تتراكم عبر سنوات من الاختيارات والسياسات والوعود، التي قد يراها كثير من المواطنين، غير كافية لمعالجة مشاكلهم اليومية. لذلك فإن أي نقاش جاد، حول الهجرة غير النظامية، ينبغي أن يبدأ بقراءة أسبابها الاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية، لا بالاكتفاء بإطلاق الاتهامات أو المواعظ.

فالشباب، لا يحتاج إلى من يخبره بأن الوطن جميل…

هو يعرف ذلك.

لكنه، يريد أن يشعر بأن لهذا الجمال، مكاناً له أيضاً.

يريد وظيفة، تحفظ كرامته.

وسكناً، يستطيع أن يحلم به.

وخدمات عمومية، تحترم إنسانيته.

وإحساساً، بأن الاجتهاد، قد يفتح له باباً، لا أن يظل ينتظر معجزة.

أما الاكتفاء بإلقاء الخطب بعد كل أزمة، فهو يشبه رجل الإطفاء الذي يصل بعد أن تحول المنزل إلى رماد، ثم يبدأ في إلقاء محاضرة عن أخطار الحرائق.

وربما كان أجمل، ما كان يمكن أن يفعله بعض الساسة، بعد أحداث سبتة، هو شيء واحد فقط…

الصمت.

فالصمت، أحياناً، يكون أكثر احتراماً لعقول الناس، من تصريحات لا تقدم حلاً، ولا تعترف بتقصير، ولا تفتح باباً للأمل.

ولعل المغاربة اليوم لا ينتظرون مزيداً من الكلمات، بقدر ما ينتظرون أفعالاً، تجعل أبناء هذا الوطن يختلفون مرة أخرى، حول أي مدينة، سيقضون فيها عطلتهم الصيفية… لا حول أي شاطئ، سيغامرون منه بحثاً عن مستقبل، يعتقدون أنه، يوجد في مكان آخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.