الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسةمجتمع

لو كانت الكراسي تتكلم… لطلبت اللجوء السياسي!

محمد صابر

هذا المقال لا يهاجم شخصًا ولا يقصد دولة بعينها، وإنما يسلط الضوء على ظاهرة تتكرر في أكثر من مشهد سياسي ونقابي، حيث ينجح بعض المسؤولين في إقناع أنفسهم بأن الكرسي لا يستطيع العيش من دونهم، وأن تداول المسؤولية مجرد نظرية جميلة تصلح للخطب، أما الواقع فله رأي آخر!

منذ أن اخترع الإنسان أول كرسي، كان الهدف بسيطًا للغاية: أن يجلس عليه قليلًا، ثم ينهض ليواصل عمله.

لكن يبدو أن بعض الكراسي، وهي تتجول بين الإدارات والبرلمانات والمجالس والهيئات في بعض دول العالم، اكتشفت أن مهمتها قد تغيرت تمامًا.

فهي لم تعد مجرد قطعة أثاث…

بل أصبحت شاهدة على قصص حب طويلة، وعلاقات يصعب فك ارتباطها، حتى إن علماء النفس، قد يعجزون عن تفسيرها.

هناك من يعشق السفر…

ومن يعشق البحر…

ومن يعشق الكتب…

لكن هناك من اكتشف حبًا من نوع آخر…

حب الكرسي.

حب لا يعرف الفصول، ولا تؤثر فيه الانتخابات، ولا تهزه الانتقادات، ولا تضعفه السنوات.

ولو سألتم أحد تلك الكراسي عن أمنيته الوحيدة، لما طلب أن يُصنع من جلد فاخر، أو أن يُزود بعجلات حديثة، أو أن يُنقل إلى مكتب مكيف.

سيقول بكل هدوء:

“أريد فقط أن أتعرف على شخص جديد قبل أن أتقاعد.”

في كثير من الديمقراطيات، يدخل المسؤول مكتبه، وهو يعلم أن المنصب محطة من محطات حياته.

يعمل…

ويخطئ…

ويصيب…

ثم يغادر، تاركًا مكانه لمن يأتي بعده.

أما في بعض المشاهد السياسية والنقابية، فيبدو أن الكرسي يُوقَّع معه عقد غير مكتوب، عنوانه:

“الجلوس مستمر… حتى إشعار آخر.”

ومع مرور السنوات، تبدأ علاقة غريبة في التشكل بين الجالس والكرسي.

في البداية، يجلس عليه.

بعدها، يعتاد عليه.

ثم يصبح مقتنعًا بأن الحياة، لا تستقيم إلا وهو جالس عليه.

ثم يصل إلى مرحلة يعتقد فيها أن الكرسي هو الذي يحتاج إليه، وليس العكس.

ولو استطاع الكرسي الرد، لقال له:

“سامحني… لقد صُنعت لخدمة المؤسسات، لا لخدمة شخص واحد إلى الأبد.”

المضحك أن بعض الكراسي أصبحت تحفظ ملامح أصحابها، أكثر مما تحفظها ألبومات الصور.

فهي تعرف نبرة صوتهم/ عندما يعلنون عن “إصلاح تاريخي”، وتعرف طريقة جلوسهم، عندما يتحدثون عن “مرحلة جديدة”، وتعرف ابتسامتهم عندما يرددون عبارة:

“حققنا إنجازات غير مسبوقة…”

وهي أيضًا تعرف أن عبارة “مرحلة جديدة” قد تتكرر عشر مرات…

بينما يبقى الجالس نفسه في المكان نفسه.

ولو أن للكراسي ذاكرة إلكترونية، لوجدناها ممتلئة بملفات تحمل الأسماء نفسها، والوجوه نفسها، والخطب نفسها، حتى يظن الزائر أن الزمن توقف احترامًا لأصحاب المناصب.

بل إن بعض الكراسي، لو أُرسلت إلى متحف، لكتب تحتها:

“قطعة أثرية نادرة… لم تتغير إلا ألوان طلاء الجدران المحيطة بها.”

ومن غرائب هذا العالم، أن بعض المسؤولين يقتنعون، مع مرور الوقت، بأن المؤسسة ستصاب بالدوار إذا غادروها.

وكأن الموظفين، سينسون القراءة والكتابة.

وكأن الحواسيب، ستتوقف عن العمل.

وكأن الشمس، ستتأخر عن الشروق.

وكأن المواطنين، سيقفون في الشوارع وهم يتساءلون:

“من سيوقع لنا الوثائق الآن؟”

والحقيقة أن المؤسسات القوية، لا تقوم على الأشخاص، بل على القوانين، والكفاءات، واستمرار العمل.

أما الأشخاص، مهما كانت خبرتهم، فهم يتركون بصمتهم، ثم يسلمون المشعل لغيرهم.

وهذا هو سر حيوية المؤسسات التي تتجدد ولا تشيخ.

ولو اجتمعت الكراسي في مؤتمر دولي، لربما خرجت ببيان تاريخي تقول فيه:

“نحن، كراسي العالم، نعلن تضامننا الكامل مع الكراسي التي تجاوزت سنوات الخدمة، دون أن تتعرف على جالس جديد، ونطالب بإقرار حق الكرسي في التنفس، وحق النوابض في الراحة، وحق المكاتب في رؤية وجوه جديدة، لأن تجدد المسؤوليات ليس رفاهية، بل أحد أسرار حيوية المؤسسات.”

ولعل أكثر الجمل طرافة في البيان ستكون:

“لسنا ضد أحد… لكننا تعبنا من الخطاب نفسه، ومن اللغة الخشبية نفسها، ومن الوعود نفسها، حتى أصبحنا لا نعرف: هل الزمن هو الذي يمضي… أم أن الذي لا يتحرك هو بعض المكاتب؟”

قد يبتسم القارئ وهو يقرأ هذه السطور، لكن خلف الابتسامة سؤال يستحق التأمل:

هل قوة المؤسسات تُقاس بطول بقاء الأشخاص في مناصبهم… أم بقدرتها على إنتاج قيادات جديدة، وأفكار جديدة، ورؤية متجددة؟

الكرسي، في نهاية المطاف، لا يطلب المستحيل.

كل ما يريده هو أن يؤدي وظيفته الطبيعية: أن يستقبل اليوم مسؤولًا، وغدًا مسؤولًا آخر، وبعد غد مسؤولًا ثالثًا، لأن بقاء المؤسسات أقوى من بقاء الأفراد، وتجدد المسؤوليات هو ما يمنحها الحياة.

ولو كان للكراسي حق التصويت… فربما صوتت جميعها لصالح مادة واحدة في دستورها الخاص:

“يُمنع احتكار الجلوس… حفاظًا على صحة الكرسي، وعلى حيوية المؤسسة، وعلى أعصاب المواطنين.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.