“ليالي حياني” في كاباريهات عين الذئاب : الوجه الخفي لانهيار الفلاح الصغير

ضربة قلم
دأبنا، لا ادعاءً ولا تزلفًا، على الانحياز إلى الطبقة المسحوقة في كل ما نكتب ونبدي من آراء، لأننا نعرف جيدًا- بل نعايش يوميًا – من يدفع الفاتورة كاملة، ومن يكتفي بمراقبة الأرقام، وهي تتضخم في حساباته. في المغرب، يختصر العامة هذه الحقيقة بجملة لاذعة وبسيطة: “كاين لي كياكلها باردة”. عبارة تختصر تاريخًا كاملاً من الريع، ومن الامتيازات، ومن المأذونيات، ومن رخص الصيد في أعالي البحار، وفي أعماق اليابسة، وفي كل زاوية، يمكن أن تتحول إلى منجم، لمن يعرف من أين تؤكل خيرات المغاربة.
لكن، بعيدًا عن هؤلاء، هناك واقع ظلّ ينزف في صمت، دون أن يجد طريقه إلى العناوين العريضة، ولا إلى صخب المنابر. واقع فئة من الفلاحين الصغار، الذين لم يرثوا لا الريع، ولا النفوذ، ولا مفاتيح “الصفقات”، بل ورثوا الأرض، والتعب، ووعدًا كاذبًا اسمه “التمويل”.
سنوات طويلة، كان هؤلاء يُساقون، بحسن نية، أحيانًا وبقوة الحاجة دائمًا، نحو مؤسسة مالية أُنشئت ظاهريًا لدعم الفلاح، لكنها أتقنت، عمليًا، فنّ جرجرة صغار الفلاحين إلى المحاكم، ثم إلى ما بعدها. قروض تُمنح باسم الزراعة، باسم البذور، باسم الموسم الفلاحي، لكنها في الحقيقة كانت سلسلة حديدية تبدأ بورقة وتُختَم بحكم.
الفلاح يقترض، لا ليبني ثروة، بل ليبدأ موسمًا. المال لا يبيت في جيبه؛ يتحول بسرعة إلى بذور، وأسمدة، ومحروقات، وأجور، ومصاريف لا تنتهي. لكن حين يتعثر الموسم، أو تخونه السماء، أو تخذله الأسعار، لا أحد يسأل عن السياق. الدين لا يعرف الجفاف، ولا يعترف بالخسارة، ولا يرحم من عاش على الهامش.
وسط هذا المشهد القاتم، ظهرت فئة محسوبة ـ زورًا ـ على الفلاحين. فئة لا ترى في القرض أداة للإنتاج، بل غنيمة عابرة. أموال تُصرف لا في الحقول، بل في “الوجهة المعروفة”، حيث تعرف الجيوب جيدًا طريقها إلى كاباريه “ويشيطا” بعين الذئاب. هناك، لا حديث عن محصول، ولا عن مردودية، بل عن ليالٍ طويلة، عن “الشيخات”، عن تبذير فجّ، وعن كرم مصطنع، يُرمى فيه المال، كما لو أنه بلا ذاكرة ولا عاقبة.
تُستدعى “سفيرات النوايا الحسنة”، وتقام “ليالي حياني”، وتُنسى الأرض، ويُؤجل الحساب، إلى أن تمر أيام “الباكور”، ويحين موعد العودة… لا إلى الحقل فقط، بل إلى الواقع العاري. هناك، لا موسيقى، ولا أضواء، ولا تصفيق. هناك وجه مطأطئ، لا يعرف كيف يواجه نفسه، ولا كيف يواجه أهله، ولا كيف ينظر في عيون من يملكون مفتاح السجن… ونعني به الدين.
يحكي الرواة، ولا شيء يمنع أن تكون الحكاية حقيقية حدّ الألم، أن مواطنًا من نواحي بوزنيقة باع قطعة أرض، وقال لنفسه إنه سيبدأ من جديد. حمل ماله، لا كاستثمار، بل كفرصة للهروب من حياة قاسية. وجد ضالته في زاوية قرب قنطرة بلولندان، بتراب جماعة المنصورية، مكان صغير في مساحته، كبير في وعوده الكاذبة.
هناك، كل شيء كان متاحًا:
جوق موسيقي يغني كل ما تشتهي الأذن الشعبية، من دون أن ينسى اللازمة الشهيرة: “نموت، نموت والليلة خيار”.
أسرة غرف بيضاء تُذكّر بزمن “عام البون”، عفوا، زمن السبعينيات، حين كانت البساطة تُقنع الناس بأنها كرامة.
حمام بمياه تخرج من بئر، كأن المكان، يتواطأ مع الحنين، ليقنع ضيفه أنه عاد إلى الجذور.
صاحبنا، كان يعتقد أنه يعيش الفردوس المفقود. كان يستفيق قرب الثانية بعد الزوال، يعرّج على الدار البيضاء، ثم يعود ليلًا إلى محاذاة المحمدية، لتبدأ طقوس السهر من جديد. يوم بعد يوم، وليلة بعد ليلة، كانت الأموال تتبخر، لا ضجيجًا، بل بصمت مخيف.
إلى أن جاء اليوم الذي استفاق فيه حقًا. نزل من “الخندق”… عفوًا من الفندق. جلس على الدرج، وهو خاوي الوفاض، لا ليشرب قهوته، بل ليبكي. بكى كما لم يبكِ من قبل. بكى لأنه اكتشف أنه خسر ملايين، لا لأن أحدًا سرقها، بل لأنه أضاعها وهو يظن أنه يعيش.
كان مشهده، شبيهًا بتلميذ تغيب سنة كاملة عن المدرسة، وحين عادت النتائج، وجد نفسه خارج الزمن. لا زملاء، لا شهادة، لا مستقبل واضح. فقط حسرة، ووقت ضائع، وندم لا يعيد شيئًا.
هذه ليست قصة شخص واحد، ولا حكاية للتسلية. إنها مرآة لمنظومة تخلط بين الدعم والاستنزاف، بين القرض والفخ، بين التنمية والشعار. منظومة تجعل الفلاح يدفع ثمن جهله بالقوانين، وحسن نيته، وضعفه، بينما يظل “من يأكلها باردة” في مأمن، يراقب من بعيد، وربما يضحك.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح، دون تجميل ولا مواربة:
من المسؤول عن هذا النزيف؟
هل هو الفلاح وحده؟
أم منظومة تعرف كيف تُقرض، ولا تعرف كيف تحمي؟
أم ثقافة عامة، تجعل الهروب المؤقت، يبدو خلاصًا، قبل أن يتحول إلى هاوية؟
إلى أن نملك الجرأة على طرح هذه الأسئلة، سيظل البكاء على درج الفنادق، وفي مداخل المحاكم، وفي عتمة الزنازين، مشهدًا يتكرر… بلا موسيقى هذه المرة.




