ليس فيلماً عن الطريق… بل عن الضياع: «خطوات من قلق» يلامس وجع جيل كامل

ضربة قلم
في زمن تتكاثر فيه الضوضاء وتضيق فيه المسافات بين الإنسان وقلقه، يأتي الفيلم القصير «خطوات من قلق» ليختار طريقاً مختلفاً، بعيداً عن الحكايات التقليدية والأحداث الصاخبة. إنه عمل سينمائي يغامر بالدخول إلى المناطق الخفية من النفس البشرية، حيث الأسئلة أكثر حضوراً من الأجوبة، وحيث يصبح القلق ذاته بطلاً رئيسياً للأحداث.
الفيلم، الذي يحمل توقيع الشاعر والكاتب رشيد سبابو على مستوى الكتابة، ويخرجه المخرج الشاب حمزة الحاج، لا يروي قصة بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، بقدر ما يرسم رحلة داخلية لشاب، يمثل جيلاً كاملاً من الشباب، يعيش حالة من التردد والبحث المستمر عن المعنى.
منذ المشاهد الأولى، نجد أنفسنا أمام شخصية، تبدو عادية في ظاهرها، تغادر منزلها في صباح يشبه كل الصباحات، لكنها تحمل داخلها حمولة ثقيلة من الأسئلة المؤجلة. يخرج البطل إلى فضاء المدينة حاملاً مفاتيحه، لكن ما يبحث عنه ليس باباً مادياً يفتحه، بل منفذاً نحو فهم ذاته والعالم المحيط به.
وعلى امتداد الطريق الرابط بين سلا والرباط، تتحول الحافلة، إلى فضاء تأملي متحرك، فيما تصبح الشوارع والوجوه العابرة والمباني والازدحام، عناصر صامتة تشارك في صناعة هذا الإحساس العميق بالتيه والاغتراب. فالبطل لا يسافر من مدينة إلى أخرى فقط، بل ينتقل بين طبقات من الأسئلة المرتبطة بالهوية والانتماء والمستقبل ومعنى الوجود نفسه.
ما يمنح «خطوات من قلق» خصوصيته، هو أنه لا يدّعي امتلاك الحقيقة، ولا يسعى إلى تقديم وصفات جاهزة أو خلاصات نهائية. إنه عمل يراهن على قوة السؤال أكثر من إغراء الجواب، وعلى التأمل أكثر من اليقين. لذلك يترك للمشاهد حرية بناء قراءته الخاصة، واستخلاص معانيه الشخصية من رحلة تبدو فردية في ظاهرها، لكنها تعكس هواجس جماعية يعيشها كثير من شباب اليوم.
وفي حديثه عن فلسفة العمل، يرى المخرج حمزة الحاج، أن السينما الحقيقية، لا تكمن في تقديم أجوبة نهائية، بل في قدرتها على تحريك الفكر واستفزاز الأسئلة الكبرى. فبحسب تصوره، تظل الصورة السينمائية، فضاءً للتأمل والحوار مع الذات، أكثر من كونها وسيلة لتلقين الحقائق أو فرض الاستنتاجات.
أما عن الأسباب التي دفعته إلى خوض هذه التجربة الإخراجية، فيؤكد أن علاقته بالمشروع، بدأت منذ اللحظة الأولى التي قرأ فيها السيناريو، إذ شعر بوجود تقاطعات إنسانية عميقة، بينه وبين الشخصية الرئيسية، خاصة ذلك الإحساس بالوحدة الذي يرافق الكثير من الشباب في مراحل مختلفة من حياتهم. كما شكل الفيلم بالنسبة إليه تحدياً شخصياً ومهنياً، ورغبة في أن تكون هذه التجربة بمثابة الانطلاقة الفعلية لمساره في عالم الإخراج السينمائي.
هكذا يقدّم «خطوات من قلق» نفسه كعمل فني هادئ في شكله، لكنه عميق في أسئلته، يقترب من الإنسان المعاصر وهو يواجه ارتباكاته اليومية الصغيرة، ويبحث وسط زحام الحياة عن معنى يمنحه بعض الطمأنينة. إنه فيلم لا يعد المشاهد بإجابات جاهزة، لكنه يمنحه فرصة نادرة للإنصات إلى تلك الأسئلة التي غالباً ما نحاول الهروب منها.




