الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

مأساة طاطا تكشف عورة الصحة العمومية في الهامش: إلى متى تُزهق الأرواح على أبواب المستشفيات؟

ضربة قلم

لم يعد الخبر صادمًا، بقدر ما صار مُنهكًا للنفس.
امرأة حامل تفقد حياتها، ويغادر جنينها الدنيا، قبل أن يراها، لا بسبب مرض نادر، أو قضاء محتوم، بل لأن المستشفى الإقليمي بطاطا، عجز عن أداء أبسط وظائفه: الإنقاذ، الرعاية، والتكفل العاجل. مأساة جديدة، تُضاف إلى سجل طويل من الفواجع الصامتة، حيث تتحول المؤسسات الصحية، في مناطق الهامش إلى محطات انتظار للموت، لا إلى فضاءات للحياة.

في هذا السياق، أدانت مؤسسة الأمل للتنمية ما وصفته بـ«الفاجعة الإنسانية» التي هزّت الإقليم، معتبرة أن ما جرى ليس حادثًا عرضيًا أو خطأً معزولًا، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل، من الإهمال، والتهميش، وغياب الإرادة الحقيقية لإصلاح قطاع حيوي يفترض أن يكون خطًا أحمر.

اختلالات مزمنة… والضحية دائمًا المواطن

البيان المذكور كان واضحًا:
المستشفى الإقليمي بطاطا، يعيش وضعًا صحّيًا كارثيًا، عنوانه الأبرز الخصاص المهول في الأطر الطبية المتخصصة، خاصة في مجالات التوليد، التخدير، والمستعجلات، إضافة إلى نقص فادح، في الممرضين والمعدات الأساسية، وغياب سيارات إسعاف مجهزة بالحد الأدنى من شروط السلامة.

هذا الوضع لا يترك للمرضى أي هامش للاختيار، بل يفرض عليهم رحلات قسرية نحو المجهول، تمتد أحيانًا إلى 300 كيلومتر باتجاه أكادير، في ظروف مناخية وجغرافية قاسية، قد تتحول فيها سيارة الإسعاف، أو النقل السري، إلى نعش متحرك.

حين يصبح البُعد الجغرافي حُكمًا بالإعدام

ما لا يُقال في نشرات الأخبار، هو أن ساكنة طاطا، لا تطالب بمستشفيات جامعية، أو تجهيزات خيالية، بل فقط بحقها في علاج لائق، وفي ولادة آمنة، وفي إسعاف لا يتأخر حتى يفقد معناه.
لكن واقع الحال، يكشف أن البعد عن المراكز الكبرى لا يزال، في السياسات العمومية، مبررًا غير معلن للتقصير، وكأن العدالة المجالية ترفٌ تنظيري، لا مكان له خارج الخطب الرسمية.

مطالب واضحة… ومسؤوليات لا تقبل التمييع

وأمام جسامة الفاجعة، طالبت مؤسسة الأمل للتنمية بـفتح تحقيق نزيه، شفاف، ومستقل في ملابسات وفاة السيدة وجنينها، وترتيب المسؤوليات القانونية والإدارية، في حق كل من ثبت تقصيره، بعيدًا عن منطق “التمريض” الإعلامي أو البحث عن كبش فداء ظرفي.

كما دعت المؤسسة وزارة الصحة والحماية الاجتماعية إلى تدخل عاجل، لا عبر لجان عابرة أو زيارات بروتوكولية، بل من خلال:

  • توفير أطباء اختصاص في التوليد والتخدير والمستعجلات

  • تجهيز المستشفى بالمعدات الضرورية

  • تحسين شروط التكفل بالنساء الحوامل والحالات الاستعجالية

  • وضع خطة صحية إقليمية، تراعي خصوصية طاطا الجغرافية، وبعدها عن المستشفيات المرجعية

الصمت أخطر من الإهمال

وحذّر البيان، بنبرة لا تخلو من القلق، من أن استمرار الصمت الرسمي تجاه هذه المآسي المتكررة، لا يهدد فقط الحق في الصحة، بل يُقوّض الثقة في المرفق العمومي، ويمسّ بالسلم الاجتماعي، ويُراكم شعورًا جماعيًا بالحكرة والتخلي.

السؤال الذي يرفض المغادرة

بعد كل هذا، يبقى السؤال معلقًا، ثقيلًا، ومُحرجًا:
إلى متى تبقى أرواح نساء الهامش رهينة نقص طبيب أو غياب سيارة إسعاف؟
وإلى متى يُختزل الحق في الحياة في بيانات التعزية؟

في طاطا، لم تمت امرأة فقط…
بل سقط وهمُ المساواة في العلاج مرة أخرى، أمام أعين الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.