مجتمع

ماتوا وهم يبلغون عن الخطر: عمارة فاس تبتلع سكانها وسط صمت قاتل

فاس: عبد العزيز بحري

فاجعة جديدة تعيشها مدينة فاس، بعد انهيار مبنى سكني من أربعة طوابق مساء البارحة/ الخميس في الحي الحسني، ما خلف مشاهد مؤلمة وأوجاعًا ثقيلة لأسر تقاسمت الصدمة والفقدان. الحصيلة المؤقتة تشير إلى تسعة وفيات وسبعة مصابين، بينهم أطفال، تم نقلهم إلى المستشفى لتلقي الإسعافات، في حين لا تزال عمليات الإنقاذ متواصلة تحت الأنقاض في سباق مع الزمن للعثور على ناجين أو جثامين أخرى.

المبنى المنهار لم يكن مفاجئًا لسكانه، بل كانوا قد دقوا ناقوس الخطر منذ مدة، بعدما لاحظوا تشققات وأصوات تصدع تكررت في الأيام الأخيرة. البعض منهم رفع شكاوى للسلطات المحلية، لكن واقع الحال ظل على ما هو عليه، إلى أن تحول الحي إلى مسرح لأحد أبشع الكوارث التي يمكن أن يعيشها أي مجتمع. شهادات من عين المكان تحدثت عن لحظات رعب عاشها السكان، حيث سُمع دوي الانهيار من مسافة بعيدة، وسرعان ما غطى الغبار والركام المكان، وسط صرخات استغاثة من عالقين تحت الحطام.

هذا الحادث الأليم يعيد إلى الواجهة إشكالية البنايات الآيلة للسقوط في المدن المغربية، خاصة في الأحياء الشعبية التي تعرف كثافة سكانية مرتفعة وتوسعات عمرانية غير محكومة بشروط السلامة. المباني القديمة والمتهالكة باتت قنابل موقوتة وسط الأحياء، والسكان يعيشون في رعب دائم من أن يتحول بيتهم في لحظة إلى قبر.

رغم التحذيرات السابقة وحوادث مشابهة في مدن عدة، إلا أن تدخلات الجهات المسؤولة غالبًا ما تأتي متأخرة، أو تظل حبيسة الوعود واللجان التي لا تفضي إلى حلول ملموسة. ففي كل مرة تُطوى صفحة الفاجعة سريعًا، دون ربط المسؤولية بالمحاسبة، ويُترك المواطن بين الألم واللامبالاة.

كارثة فاس ليست مجرد حادث عرضي، بل جرس إنذار مدوٍ يستدعي مراجعة حقيقية وشاملة لسياسات مراقبة البنايات المتقادمة، ووضع حد لسياسة التغاضي عن أصوات المستغيثين، قبل أن تتحول المدن إلى مقابر جماعية من الإسمنت.

من بين الناجين الذين نجحوا في الخروج بأعجوبة من تحت الأنقاض، يحكي أحد السكان، وهو شاب في العشرينات من عمره، كيف أن دقائق قليلة فقط فصلته عن الموت. قال بصوت مرتجف: “كنت جالسًا مع والدتي نشاهد التلفاز حين سمعنا صوتًا غريبًا يشبه الطقطقة، وما هي إلا ثوانٍ حتى اهتزّ كل شيء وانهار السقف فوق رؤوسنا. لا أعرف كيف خرجت، لكن حين نظرت خلفي لم أعد أرى شيئًا سوى الغبار والركام… أمي مازالت تحت الأنقاض، مازال قلبي هناك.”

هذا التصريح المؤلم يعكس هول الفاجعة والآثار النفسية العميقة التي خلفها الحادث في نفوس من كتب لهم النجاة، لكنه يفضح أيضًا حجم الإهمال الذي أدى إلى سقوط أرواح بريئة، معظمها لم يكن يملك خيارًا آخر غير السكن في مبنى مهدد بالسقوط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.