الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

ماذا جرى لنا؟ مجتمع يتدافع في الطوابير وينسى أبسط قواعد الاحترام

ضربة قلم

أصبح كثير من المواطنين، يشعرون بنوع من الحيرة والضيق، وهم يقضون أبسط شؤونهم اليومية. فالأماكن التي يقصدها الناس لقضاء حاجياتهم، من مخابز ومحلات خضر وفواكه ومرافق خدماتية، لم تعد في نظر البعض، فضاءات يسودها الحد الأدنى من النظام والاحترام المتبادل، كما كان مألوفاً في السابق. وكأن شيئاً ما تغيّر في السلوك العام، فصار الفرد يجد نفسه مضطراً، للدفاع عن أبسط حق: حقه في الانتظار في طابور، أو في أن يحظى بدوره، دون تدافع أو تجاوز.

ففي المخبزة مثلاً، قد يقف الزبون منتظراً دوره، ثم يفاجأ بأشخاص يلتحقون بعده ويحاولون التقدم، بسرعة لطلب ما يريدون، وكأن الطابور، لم يكن موجوداً أصلاً. وفي بعض الأحيان، يتحول الأمر إلى نوع من السباق غير المعلن: من يرفع صوته أكثر، أو يمد يده بسرعة أكبر، يحصل على الخدمة أولاً. ومع تكرار مثل هذه المشاهد، يبدأ المواطن في طرح سؤال بسيط، لكنه عميق: متى أصبح احترام الدور، مسألة اختيارية، وليست قاعدة سلوكية بديهية؟

الأمر نفسه يتكرر في محلات بيع الخضر والفواكه، أو الأسواق الصغيرة. قد يقف شخص ينتظر دوره، فتأتي امرأة أو رجل من الخلف ويدفع أو يمد يده لطلب ما يريد، دون اكتراث بمن سبق. لحظات بسيطة، لكنها كافية لتكشف حالة من التوتر الخفي في العلاقات اليومية بين الناس، حيث يغيب أحياناً ذلك الشعور البسيط ،الذي كان يحكم المعاملات: “دع غيرك يأخذ حقه أولاً”.

هذه التفاصيل الصغيرة في ظاهرها، ليست مجرد حوادث عابرة، بل مؤشرات على تغير أعمق، في بعض السلوكات الاجتماعية. فالمجتمع الذي تعوّد لعقود،على قيم مثل الاحترام، والتواضع، والتراحم بين الناس، بدأ يشهد نوعاً من التآكل، في بعض هذه القواعد غير المكتوبة، التي كانت تنظم الحياة اليومية.

ولا يتوقف الأمر عند المحلات والأسواق، بل يظهر أيضاً في بعض المرافق الخدماتية، مثل الوكالات البنكية أو الإدارات، حيث يلاحظ كثير من المواطنين أن الأولوية، قد تُمنح أحياناً لمن يُنظر إليهم باعتبارهم “زبناء مهمين”، أو أصحاب حسابات مالية كبيرة، بينما يظل المواطن العادي، ينتظر دوره طويلاً. هذا الشعور بعدم المساواة في المعاملة، يولد بدوره إحساساً بالإحباط لدى البعض، لأن المرفق، الذي يفترض أن يخدم الجميع، بشكل متساوٍ، يبدو وكأنه يميز بين الناس، وفق معايير لا علاقة لها بحقوقهم كمواطنين.

والسؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم هو: ماذا أصاب المجتمع، حتى أصبحت مثل هذه السلوكات مألوفة إلى هذا الحد؟
البعض يربط الأمر بتغير إيقاع الحياة نفسها. فالحياة في المد،ن أصبحت أسرع وأكثر توتراً، والناس يعيشون تحت ضغط العمل والغلاء ومشاكل الحياة اليومية، ما يجعل الصبر، أقل مما كان عليه في الماضي. ومع تزايد هذا الضغط، يصبح البعض مستعداً لتجاوز الآخرين، فقط من أجل ربح بضع دقائق.

آخرون يرون أن المشكلة، تتعلق بتراجع التربية المدنية في الفضاء العام. فالقيم التي كانت تُنقل بشكل تلقائي، داخل الأسرة والمدرسة – مثل احترام الدور أو مراعاة الآخر – لم تعد تحظى بنفس العناية. وفي غياب هذا الوعي الجماعي، يتحول الفضاء العام، إلى مكان يسعى فيه كل فرد إلى تدبير مصلحته الخاصة، ولو على حساب الآخرين.

هناك أيضاً من يربط الظاهرة بتوسع المدن وتغير بنيتها الاجتماعية. فحين كانت الأحياء صغيرة والناس يعرفون بعضهم البعض، كان من الصعب على أي شخص أن يتصرف بفظاظة أو يتجاوز الآخرين، دون أن يلقى استنكاراً فورياً. أما اليوم، وفي المدن الكبيرة أو الأحياء الجديدة، حيث العلاقات أكثر برودة، والناس أقل معرفة ببعضهم، أصبح من الأسهل، أن يتصرف البعض دون اكتراث بردود فعل الآخرين.

كما أن بعض المظاهر المرتبطة بثقافة الاستهلاك السريع، قد ساهمت بدورها في تغيير السلوكات. فكل شيء أصبح يقوم على السرعة: السرعة في العمل، والسرعة في التنقل، وحتى السرعة في الحصول على الخدمات. ومع هذه الثقافة، بدأ البعض يتعامل مع الوقت، وكأنه معركة يومية، فيسعى إلى تجاوز غيره بدل انتظار دوره.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال المجتمع كل،ه في هذه الصور السلبية. فما زالت في الحياة اليومية، مشاهد كثيرة، تعكس القيم الجميلة نفسها: شخص يفسح المجال لآخر، أو زبون يصر على أن يأخذ من جاء قبله دوره، أو موظف يحرص على معاملة الجميع باحترام. هذه المواقف، وإن بدت بسيطة، تذكر بأن روح التضامن والاحترام، لم تختف، لكنها تحتاج إلى أن تُستعاد بقوة أكبر.

في النهاية، فإن السؤال “ماذا أصاب مجتمعنا؟” ليس مجرد تعبير عن غضب عابر، بل هو دعوة للتفكير في طبيعة العلاقات بين الناس داخل الفضاء العام. فالمجتمع لا يُقاس فقط بمشاريعه الكبرى، أو بناياته الحديثة، بل أيضاً بطريقة تعامل أفراده مع بعضهم البعض، في أبسط تفاصيل الحياة اليومية: في الطابور، في الطريق، وفي الأماكن التي تجمعهم كل يوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.