الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسة

مبادرة التنمية البشرية… من فقراء إقليم الجديدة إلى أغنياء المجلس!

ضربة قلم

ها هي المسرحية المغربية في فصلها الأخير، بعنوان: “التنمية البشرية… في جيوب غير بشرية!”
في إقليم الجديدة، وتحديدًا في جماعة مولاي عبد الله، لا حديث اليوم إلا عن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، تلك التي قُدّمت للمغاربة على أنها بوابة للكرامة ومحاربة الهشاشة، فإذا بها تتحول – بلمسة سحرية من بعض المنتخبين – إلى “بوفيه مفتوح” للمصالح الشخصية وتضاربها المثير للشفقة… والمحاسبة المؤجلة.
الهيئة الوطنية لحماية المال العام والشفافية، وبعدما نفد صبرها كما يبدو، قررت أن تطرق باب عامل الإقليم، ليس لتسأله عن أحوال الجو أو أسعار الأسماك، بل لتقول له بصريح العبارة: عندكم مسؤول منتخب، رئيس جماعة وبرلماني ورئيس جمعية في نفس الآن، كيدير المشاريع مع راسو، وكيصرف عليهم من الفلوس اللي كيشرف عليها براسو، وكيسلمها لراس الجمعية اللي هو راسو! باختصار: الرجل دار مع نفسو صفقة… وبارك ليها بنفسو!
الهيئة، التي بدأت حديثها بآيات من الدستور المغربي، استحضرت الفصل 36، ذاك الذي يتحدث عن تضارب المصالح وكأنه كتب خصيصًا لهؤلاء، ثم انتقلت للمادة 65 من القانون التنظيمي، التي تمنع على المنتخبين الجمع بين حب الجماعة وحب المال العام، لكن يبدو أن هناك من يحب كل شيء دفعة واحدة: الرئاسة، التمويل، الجمعيات… والحمد لله على النعمة.
تقارير المفتشية العامة للإدارة الترابية، ما بين 2019 و2022، كانت بمثابة مسمار آخر في نعش الثقة. مشاريع ضعيفة التتبع، أموال تتبخر، وجمعيات مستفيدة، كأنها عائلة واحدة تتقاسم الإرث الوطني. البعض يشتغل منتخبًا بالنهار، ويتقمص دور مستفيد باسم المجتمع المدني في المساء. كل ذلك باسم “المبادرة الوطنية”، وكأنها أصبحت مرادفًا لـ”المصلحة الشخصية”.
أحد ممثلي الهيئة، بدا في تصريحاته كمن فقد الأمل في الآليات العادية، فبدأ يلوّح بورقة التصعيد: القضاء، الإعلام، الرأي العام… كل ذلك من أجل تذكير البعض أن المال العام ليس هو “الحولي” الذي يُوزع في العيد، بل أمانة، وأن التنمية ليست فرصة للاغتناء الشخصي، بل التزام جماعي.
المفارقة المؤلمة، أن الهيئة تصرّ على أنها لا تسعى للتشهير، لكنها في الوقت ذاته تُشهر بتقارير رسمية فيها ما يكفي لجعل أي مسؤول ينام في “الكوما” الأخلاقية. لكن هل من يسمع؟ هل من يجرؤ على فتح تحقيق حقيقي؟ أم أن “ربط المسؤولية بالمحاسبة” مجرد مقطع مأخوذ من نشرة أخبار لا يراه المسؤولون إلا على التلفاز قبل أن يغيروا القناة على “الجزيرة الوثائقية”؟
في النهاية، كل ما تطلبه الهيئة هو أن تتوقف هذه السخرية الثقيلة من عقول المواطنين. أن يعود للمال العام هيبته، وللمسؤوليات حدودها، وللمبادرات الوطنية معناها الحقيقي. لكن في بلد “يبدأ فيه المشروع بقطع الشريط وينتهي بقطع الأمل”، لا يبدو أن أحدًا في عجلة من أمره.
أما المواطن، فهو كعادته، يجلس أمام التلفاز، يتابع النشرات، ويهمس في سره: “آش خاصك آالعريان؟” فيجيبه الصوت من بعيد: “مبادرة وطنية للتنمية البشرية، ومعاها جمعية، ومقاولة، وكرسي فالجماعة، وجيب واسع!”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.