مبارك سفيني… الصندوق الأسود للمحمدية: حين يكون بائع الزيتون شاهدًا على خيانات السياسة ووفاء المدينة

ضربة قلم
يقال إن في النهر ما لا يوجد في البحر، وأن في الأزقة الضيقة، ما لا تعثر عليه في الساحات الواسعة. وحديثنا اليوم عن رجل من طينة خاصة، اسم صار مرادفًا لحرفة، ومحلٍّ صغير تحوّل مع السنين إلى ذاكرة حيّة لمدينة بكاملها. داخل قصبة المحمدية، حيث تختلط رائحة البحر بعبق التاريخ، يبرز اسم مبارك سفيني بوصفه عنوانًا للجودة، ومرآةً لزمن كانت فيه، التجارة أخلاقًا قبل أن تكون حسابًا وربحًا.
اقترن اسمه ببيع الزيتون والسمن البلدي والتوابل والأشياء الخفيفة، لكن الحقيقة أن دكانه، لم يكن مجرد محل لعرض البضائع، بل كان فضاءً للقاء الناس، ومجلسًا غير معلن لتبادل الأخبار، ومختبرًا صغيرًا لقراءة أحوال المدينة. زبائنه لم يكونوا فقط من أبناء المحمدية، بل شدّوا الرحال إليه من خارجها، لأنهم وجدوا في سلعته طعم الصدق، وفي تعامله نكهة الثقة، وفي حضوره شيئًا من الطمأنينة التي تندر في زمن السرعة والغش.
مبارك سفيني استقلالي قح، من أولئك القيدوميين الذين حملوا الفكرة قبل أن تتحول السياسة إلى مهنة، وآمنوا بالمبادئ قبل أن تتحول الأحزاب إلى سلالم للصعود السريع. رجل ظلّ، على امتداد سنوات طويلة، يصرف من جيبه على إخوانه في نفس الهرم السياسي في المناسبات وغيرها، دون أن ينتظر مقابلاً ولا مكافأة. لم يكن من طينة الذين يحسنون فن المطالبة أو طرق الأبواب العالية، بل كان يرى في الكرامة، سقفًا لا ينبغي خفضه، وفي العفة السياسية موقفًا لا يقبل المساومة.
لا يتحدث إلا مع من يعتبرهم من عائلته، لا بمعنى القرابة الدموية، بل بمعنى القرب الإنساني. دائرة حديثه ضيقة، لكنها صافية، كنبع ماء لا يختلط بالعكر. ولا يغضب إلا إذا شعر أن كرامته مهددة بإهانة مجانية، لأن الكرامة عنده ليست شعارًا يُرفع، بل خبزًا يوميًا لا يُفرّط فيه. هو رجل بسيط في مظهره، عميق في منطقه، لا يتحدث كثيرا، لكنه يجيد الإصغاء، ولا يسعى للظهور، لكن حضوره يفرض نفسه دون ضجيج.
الأهم في كل هذا أنه يُعدّ، عن حق، الصندوق الأسود لهذه الحاضرة السعيدة التي تحمل اسم المحمدية. لا يركض وراء الأخبار، بل الأخبار هي التي تبحث عنه. يعرف من أخلصوا للمدينة ومن خانوا أمانتها، من خدموها في صمت ومن نهبوها في العلن. ذاكرته ليست دفترًا مغلقًا، بل سجلًا حيًّا للتجارب، ومتحفًا غير مرئي لحكايات المسؤولين والمنتخبين والفاعلين الذين مرّوا من هنا، بعضهم ترك أثرًا طيبًا، وبعضهم لم يترك سوى غبار العابرين.
رفض أن يستفيد من الحزب، سواء داخل المدينة أو على الصعيد الوطني، رغم صفته الوازنة منذ زمن بعيد. كان بإمكانه أن يغيّر وضعه الاجتماعي، وأن ينتقل من دكان الزيتون إلى مكاتب مكيفة، لكنه اختار أن يبقى حيث هو، وفي المكان نفسه الذي يعرفه الناس باسمه قبل عنوانه. يختلف تمامًا عمّن التحقوا بحزبه أو بأحزاب أخرى من أجل الاستفادة والنهب واصطياد الامتيازات، أولئك الذين غيّروا جلودهم مع تغيّر الفصول، بينما ظل هو ثابتًا كصخرة في وجه المدّ.
عاش شريفًا وما يزال كذلك، والبشاشة عنوان وجهه، لا لأن الحياة كانت سخية معه، بل لأنه تعلّم كيف يكون سخيًا مع الحياة. له تجربة طويلة في السياسة، لكنها تجربة من نوع آخر: سياسة القرب، وسياسة الأخلاق، وسياسة الكلمة التي لا تُقال إلا إذا كان لها وزن. يتواصل بعفوية، دون تصنّع ولا حسابات معقّدة، ويحدّثك كما لو أنك تعرفه منذ زمن، وكأنك واحد من أولئك الذين يعتبرهم من أهله.
في زمن تكسّرت فيه المعايير، وصار الصعود السريع حلم الكثيرين، يظل مبارك سفيني شاهدًا على زمن آخر، زمن كانت فيه المواقف تُقاس بالثبات لا بالمكاسب، وكانت فيه التجارة امتدادًا للأخلاق لا نقيضًا لها. هو ليس سياسيًا بالمعنى الضيق، ولا تاجرًا بالمعنى الجاف، بل هو مزيج من الاثنين، بطابع إنساني صرف. دكانه الصغير أكبر من حجمه، لأنه يحتضن ذاكرة مدينة، وحكايات رجال ونساء مرّوا من هنا وتركوا أثرهم في الملح والزيتون والكلام.
وهكذا، كما يقال إن في النهر ما لا يوجد في البحر، فإن في دكان مبارك سفيني ما لا يوجد في قاعات الاجتماعات ولا في نشرات الأخبار: صدق التجربة، وهدوء الحكمة، وكرامة الإنسان البسيط الذي اختار أن يعيش مستقيمًا في زمن كثير الانحناءات.




