متى يُعتقل الوزراء بدل الطبيبات؟

ضربة قلم
نشرنا أمس مقالة صرّحنا فيها – دون لفّ أو دوران – أن شريحة واسعة من المغاربة صارت تتنفس بالأقساط المؤجلة، وتأكل بالكريدي، وتلبس بالكريدي، بل وتحتفل بالمناسبات بالكريدي… وها نحن اليوم أمام مثال حيّ، لا من دوار ناءٍ ولا من أحد الأسواق الأسبوعية، بل من داخل قطاع يُفترض أنه “نبيل”: قطاع الصحة.
مدينة القنيطرة استيقظت في يوم من الأيام، على خبر اعتقال طبيبة تشتغل في قطاع الصحة العمومي، بتهمة خطيرة: الابتزاز وطلب رشوة قيمتها 2000 درهم.
الطبيبة كانت – حسب الفيديو المنتشر – تتهيأ لإجراء عملية قيصرية لامرأة حامل، لكنها، ويا للعجب، اشترطت “تشجيعة مالية“ لتسريع التدخل الطبي الذي هو في الأصل واجبها، لا منّة منها.
ولكن، فلنطرح السؤال بوضوح:
هل المشكلة في الطبيبة؟ أم في المنظومة التي جعلت الطبيبة تسقط في ورطة أخلاقية؟
الطبيبة مدينة والبطن مكشوف
في لحظة حاسمة، كانت فيها الحياة والموت على بعد بضع دقائق، لم تكن الطبيبة في غرفة العمليات تفكّر في شرف المهنة بقدر ما كانت تفكر في دفتر الكريدي الذي صار أكثر سمكًا من الملفات الطبية.
المرأة الحامل تصرخ من الألم، والأسرة تترجى تسريع العملية، والطبيبة لا ترى أمام عينيها سوى رقمين:
2000 درهم = تأجيل مهاتفة صاحب محل الأفرشة
0 درهم = جرح جديد في كرامتها المهنية وربما أزمة مالية في نهاية الشهر
ولأن الطفلة التي في بطن الأم ستولد في بلد مثقل بالديون، فقد كانت البداية الرمزية أن تولد على يد طبيبة مديونة!
ولأن البطن المكشوف كان ينزف استعجالًا، فقد توازى مع قلب الطبيبة المكشوف هو الآخر… أمام ضيق الحال، وتهاوي القيم، وتحول “مهنة الرحمة” إلى مهنة للنجاة الفردية.
هل كانت عملية قيصرية؟
نعم، لكنها عملية في دولة لا تمارس غير “القيصرية الاجتماعية”، حيث الفقراء دائمًا يولدون تحت ضغط، ويموتون تحت ضغط، ويُحاسبون تحت ضغط… بينما الأغنياء يُولدون في المصحات الخاصة، ويموتون في الفنادق الفاخرة، وتُدفن فضائحهم تحت بساط “التحكيم السياسي”.
وإن كانت الطبيبة قد انهارت أخلاقيًا، فماذا عن من أجهضوا المنظومة كاملة وهم يضعون على أفواهنا شريط “الصبر والتقشف”؟
الحكومة: “كولوها براسكم“
المفارقة الموجعة في هذا الملف، أن الحكومة نفسها – بكامل وزرائها – كان يفترض أن تكون أول من يُحاكم بتهمة دفع الناس نحو الانحراف.
- كيف ذلك؟
لأنها هي من أوصلت الموظف العمومي إلى حالة “التشرد المادي”، براتب لا يسمن ولا يغني من جوع، يُستنزف بين قروض السكن وقروض المدارس الخصوصية وقروض السيارة وقروض الزواج وحتى قروض الموت (نعم، حتى ثمن الجنازة يُقترض أحيانًا!).
الطبيبة التي اعتُقلت اليوم لأنها طلبت 2000 درهم، لا تختلف كثيرًا – من حيث الدافع – عن مسؤول يوقع صفقة عمومية مقابل “نسبة”. الفرق أن المسؤول يُحصّن ببدلة وربطة عنق، والطبيبة تنهار في غرفة الولادة أمام سيدة توشك على الوضع.
من الفاعل الحقيقي؟
لنتوقف لحظة ونفكّر:
- من المسؤول الحقيقي عن انحراف موظفة؟
- من الذي جعل “القطاع العمومي” في المغرب يتحول إلى حقل ألغام أخلاقي؟
- من الذي وضع الطبيب والممرض والأستاذ ورجل الأمن والموظف العادي في خانة “المدين الأبدي”؟
الجواب واضح:
إنه “نموذج حكومي” لا يعترف بالكرامة المادية للموظف، ولكنه يطالبه بالسلوك المثالي!
حكومتنا الموقرة تمارس علينا سلطة أخلاقية دون أن تضمن لنا حدًا أدنى من الحياة الكريمة. تطلب منا أن نكون نزهاء بينما نحن نعيش على فُتات الرواتب. يسجن من يطلب “تشجيعة” في غرفة العمليات، بينما تُكافئ من يوقّع صفقات بالملايير دون منافسة ولا مراقبة.
من يجب أن يُسجن؟
دعونا نكون صرحاء:
- هل نُحاسب الطبيبة فقط؟ أم نحاسب السياسات التي جعلتها تعتبر 2000 درهم طوق نجاة؟
- هل نلوم الموظف الصغير؟ أم نفتح ملفات أثقل مليئة بالملايير؟
- هل نكتفي باعتقال امرأة؟ أم نحلم – ولو نظريًا – باعتقال “من سرق أعمارنا وأموالنا باسم الإصلاح”؟
الطبيبة أخطأت، نعم. لكنها ليست الوحيدة التي يجب أن توضع في قفص الاتهام.
القفص الحقيقي يجب أن يكون واسعًا، تتسع مساحته لحكومة بكامل وزرائها، ولسياسيين أدمنوا تحويل الأطباء والمعلمين إلى أدوات انتخابية، دون أن يلتفتوا لحجم الضغط المادي والنفسي الذي يعيشونه يوميًا.
ويبقى السؤال الأهم:
هل نحلم بوطن يعالج أطباءه من أمراض القروض قبل أن يُطالبهم بمعالجة الآخرين؟
أم أن الحكومة تفضل أن “يولد المواطن المغربي على يد طبيبة مدينة… وتموت الأخلاق على يد وزراء فوق المساءلة”؟




