سياسة

مجلس الأمن يؤجل التصويت… والحكم الذاتي المغربي يفرض منطقه الواقعي

ضربة قلم

أجّل مجلس الأمن الدولي الجلسة التي كانت مقررة اليوم الخميس 30 أكتوبر 2025 للتصويت على مشروع القرار المتعلق بتمديد ولاية بعثة “المينورسو”، وهو قرار أثار اهتمامًا واسعًا بالنظر إلى رمزية التوقيت وطبيعة النقاش الدائر حول مستقبل الصحراء المغربية. ورغم ما قد يبدو للبعض من غموض أو ارتباك، فإن هذا التأجيل ليس حدثًا استثنائيًا أو مقلقًا، بل إجراء عادي داخل الممارسات الأممية عندما تطرأ قضايا طارئة تستدعي الأولوية، مثل ما يحدث حاليًا في السودان من تطورات إنسانية وأمنية متسارعة.

إن التأجيل لا يغيّر شيئًا في جوهر الموقف الأممي أو في المسار الدبلوماسي العام، الذي يسير في اتجاه دعم مقترح الحكم الذاتي كخيار وحيد واقعي لإنهاء النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.

المغرب، منذ سنة 2007، طرح مبادرة الحكم الذاتي كحلّ متوازن يجمع بين احترام الخصوصية المحلية وضمان السيادة الوطنية، وهو طرح حظي بإشادة متزايدة من القوى الكبرى والمنظمات الدولية، باعتباره إطارًا عمليًا يضمن الاستقرار ويمنح السكان الصحراويين صلاحيات واسعة في إطار وحدة الدولة المغربية. هذا المقترح لم يأتِ كشعار بل كمشروع مؤسساتي حقيقي مدعوم بتجربة ديمقراطية محلية وتنمية ميدانية شاملة تشهدها الأقاليم الجنوبية اليوم.

إن جوهر الصراع لم يعد كما كان في سبعينيات القرن الماضي، حين كانت المنطقة تعيش على وقع الحرب الباردة والأيديولوجيات المتناحرة. العالم تغيّر، والمغرب بدوره تغيّر، وباتت التنمية والاندماج الإقليمي هما لغة العصر. من هنا، صار مقترح الحكم الذاتي هو الحل الوحيد الممكن سياسيًا، والواقعي ميدانيًا، والمقبول دوليًا. أما الحديث عن “الاستفتاء” فقد تجاوزه الزمن والواقع، لأن الظروف التي كان يُطرح فيها لم تعد قائمة، ولأن تنفيذ استفتاء عادل ومحايد في ظل التحولات الديموغرافية والإنسانية الراهنة أمر شبه مستحيل.

الولايات المتحدة وفرنسا وعدد من الدول المؤثرة في مجلس الأمن عبّرت في أكثر من مناسبة عن دعمها الصريح للمقترح المغربي باعتباره “الأساس الواقعي” للحل، وهي عبارة لم تأتِ صدفة، بل نتيجة قراءة دقيقة لموازين القوى ولمسار الملف الأممي الذي أثبت أن الحلول المتطرفة لا تُنتج سوى الجمود.

أما على الأرض، فالمغرب لم يكتفِ بالدبلوماسية بل قدّم الدليل العملي على التزامه بتطوير أقاليمه الجنوبية. من ميناء الداخلة الأطلسي إلى الطريق السيار تزنيت، الداخلة، ومن المشاريع السياحية والصناعية إلى التعليم العالي والطاقات المتجددة، كلها أوراش مفتوحة تُحوّل الصحراء المغربية إلى قطب اقتصادي صاعد، وتُكرّسها كبوابة للتعاون الإفريقي الأطلسي. إنها التنمية التي تُقنع العالم أكثر من أي خطاب سياسي.

في المقابل، تستمر بعض الأطراف، وفي مقدمتها الجزائر، في تغذية خطاب متجاوز يقوم على منطق “الوصاية” على شعوب المنطقة، وهو خطاب يفقد مصداقيته أمام العالم يوماً بعد يوم. لقد أصبح من الواضح أن استمرار هذا النزاع يخدم فقط مصالح ضيقة لا علاقة لها بحقوق الإنسان ولا بالاستقرار الإقليمي.

المغرب اليوم لا يطالب بشيء خارج الشرعية الدولية، بل يقدّم حلاً ينسجم تمامًا مع روح الواقعية السياسية ويُراعي مصالح الساكنة ومستقبل المنطقة. وهو حلّ يجد صداه المتزايد داخل مجلس الأمن الذي يفضل المقاربة العملية على الأوهام الانفصالية التي لم تُنتج سوى المعاناة في المخيمات والتوتر في شمال إفريقيا.

إن تأجيل التصويت على مشروع القرار الأممي، إذن، لا يُضعف الموقف المغربي، بل يمنح مزيدًا من الوقت لتعميق التوافق الدولي حول مبادرة الحكم الذاتي، ويُظهر أن المجتمع الدولي يتعامل مع الملف بواقعية سياسية جديدة، تنسجم مع روح العصر وموازين القوى.

القضية الوطنية لا تُقاس بتوقيت الجلسات، بل باتجاه الرياح الدبلوماسية. واليوم، هذه الرياح تهبّ من الرباط نحو نيويورك، حاملة معها رسالة واحدة:
أن الصحراء كانت وستظل مغربية، وأن الحكم الذاتي هو الطريق الوحيد نحو سلام دائم وتنمية مشتركة في المنطقة المغاربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.