الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

فن وثقافة

محمد رياض يفتح صناديق الذاكرة: من “أرض القيظ” إلى “الزنقة 33”.. أمكنة لا تموت ووجع جميل يسكن التفاصيل

حاوره: محمد صابر

بين “عبور” و”الزنقة 33”، يواصل الكاتب محمد رياض الاشتغال على الذاكرة الإنسانية والمكان البسيط، من خلال نصوص سردية تستحضر تفاصيل الطفولة، وقسوة الاغتراب، وتحولات المجتمع، بلغة مشبعة بالحنين والتأمل والبعد الإنساني. ففي “عبور” ينقل القارئ إلى تجربة “أرض القيظ” بما تحمله من عزلة واكتشاف للذات، بينما يعيد في “الزنقة 33” إحياء ذاكرة الأحياء الشعبية، والأمكنة التي صنعت الوجدان الأول لجيل كامل.

ومحمد رياض، وهو بالمناسبة من أبناء مدينة المحمدية البررة، أستاذ للغة العربية بسلك التعليم الثانوي التأهيلي، وفاعل مهتم بقضايا التربية والتعليم وما يرتبط بها من تحولات وإشكالات مجتمعية وثقافية، كما له مقالات متعددة في هذا المجال انطلاقا من تجربة ميدانية ومعايشة يومية لواقع المدرسة المغربية.

وحين التقيناه، أجرينا معه الحوار التالي:

◆ في معظم كتاباتك، يبدو أن الذاكرة والمكان أهم من الأحداث الكبرى… لماذا هذا الوفاء للأمكنة الصغيرة والهامش المنسي؟

◉ أوضح في البداية أن ما أقوم به ليس سوى محاولات في الكتابة، فأنا لا أعتبر نفسي كاتبا بالمعنى الاحترافي أو الأكاديمي، كما هو الشأن بالنسبة لأولئك الأدباء الذين قرأت لهم وتأثرت بعوالمهم. أنا فقط أحاول أن أكتب لأنقل وقائع وأحداثا عشتها أو تخيلتها، ثم تحولت مع الوقت إلى جزء من كياني، وأردت لها أن تجد مستقرا داخل رحاب اللغة. أؤمن أن الإنسان يتشكل داخل تلك الأمكنة الصغيرة أكثر مما يتشكل داخل الأحداث الكبرى التي يدونها التاريخ الرسمي. فـ”الزنقة 33″ بالنسبة لي ليست مجرد عنوان لمكان، بل هي العتبة الأولى التي تشكل فيها الوجدان. تلك الأزقة الضيقة التي بدت لي مخيفة في البداية، اكتشفت فيها لاحقا حياة نابضة وطيبة إنسانية ورائحة و”شذى زكي” ظل يرافق ذاكرتي إلى اليوم. إن الوفاء للأمكنة الصغيرة هو وفاء لرائحة الخبز في “فران اعلي”، ولتلك الأشجار المزهرة التي كانت تتفرع من داخل البيوت المتراصة كحبات عقد، فتمنح السقوف ظلا وحياة. المكان، في نظري، ليس مجرد جغرافيا، بل كائن حي يحمل ذاكرة الناس وأحلامهم وأصواتهم، وكلما هُدم جدار قديم أو اختفت زقاق من الأزقة التي عشنا فيها، أشعر وكأن جزءا من أرواحنا يسقط معه، لذلك أكتب عن الهامش المنسي، لأنني أؤمن أن هناك أناسا وأمكنة، تستحق أن تُنقذ من النسيان، حتى وإن لم يذكرها التاريخ الرسمي.

◆ هل تعتبر الكتابة نوعا من رد الجميل للأشخاص والأحياء والقرى التي صنعت جزءا من شخصيتك؟

◉ نعم، إلى حد بعيد. فالكتابة بالنسبة إلي ليست فقط وسيلة للتعبير، بل شكل من أشكال الوفاء الأخلاقي. هناك أشخاص بسطاء مروا في حياتنا دون أن يتركوا وراءهم شهرة أو ضجيجا، لكنهم تركوا داخلنا آثارا إنسانية لا تمحى. حين أكتب عن هؤلاء، فأنا أحاول أن أمنحهم نوعا من الخلود الرمزي. أستحضر “مي فاطنة” التي كانت تمنح الحي دفأه الإنساني، وتأخذنا في طقوس طفولية لزيارة القبور، وأستحضر “عمي الموح” في “احصيا” أو “أرض القيظ”، ذلك الرجل الذي اختزل حكمة السنين داخل دكانه الصغير بعد رحلة شقاء طويلة كسائق شاحنة. الكتابة عنهم ليست مجرد استعادة لأشخاص رحلوا أو غابوا، بل محاولة لرد دين وجداني لأولئك الذين علمونا كيف نرى العالم بعيون بسيطة وصادقة، بعيدا عن زيف الأضواء وتضخم الأنوات.

◆ إلى أي حد يمكن للحنين أن يخدعنا أحيانا، ويجعل الماضي أكثر جمالا ودفئا مما كان عليه فعلا؟

◉ الحنين بطبيعته ليس مرآة دقيقة للماضي، بل هو إعادة تشكيل شعورية له. فالإنسان حين يتقدم في العمر لا يستعيد الوقائع كما حدثت تماما، وإنما كما استقرت في وجدانه. الحنين أحيانا يمارس نوعا من الفرز أو “الفلترة” للذكريات، فيخفف من قسوة الأيام القديمة ويمنحها بريقا إضافيا. نحن لا نشتاق إلى المكان وحده، بل نشتاق أيضا إلى النسخة القديمة من أنفسنا، إلى تلك البراءة التي كانت تجعلنا نفرح بقطعة حلوى أو بلعبة بسيطة داخل الزقاق. ومع ذلك، ففي “عبور” و”الزنقة 33″ أحاول ألا أغرق في الرومانسية المفرطة، بل أترك مساحة لظلال القسوة ولتلك اللحظات التي شعرنا فيها بالحزن أو الاغتراب، حتى يظل النص نابضا بالصدق الإنساني، لا مجرد صورة مثالية للماضي.

◆ ما الفرق بين الذاكرة حين نعيشها بعفوية.. والذاكرة حين نعيد كتابتها بعد سنوات طويلة؟

◉ حين نعيش اللحظة نكون غارقين في تفاصيلها، ولا نملك المسافة الكافية لفهمها أو تأملها بعمق. لكن بعد مرور السنوات يمنحنا الزمن ما يشبه “العين الثالثة” التي نرى بها ما كان خفيا عنا. الذاكرة المكتوبة ليست مجرد استرجاع فوتوغرافي للأحداث، بل هي إعادة بناء للتجربة وإعادة منحها معنى جديدا. فالكاتب حين يكتب، لا ينقل الواقع كما هو فقط، بل يضفي عليه بعدا جماليا وإنسانيا. لذلك، فإن لحظة قاسية عشتها في “أرض القيظ” وأنا أواجه غبار الصحراء ولسعات الذباب، قد تتحول في الكتابة إلى تأمل عميق في الصبر والقدرة على التكيف. الكتابة تجعل الذكرى أكثر كثافة وعمقا، لأنها تخرجها من حدود الشخصي الضيق إلى المجال الإنساني المشترك، حيث يستطيع القارئ أن يرى جزءا من نفسه داخل تلك التجربة.

◆ في كتاب “عبور”، هل كان العبور مجرد انتقال جغرافي نحو “أرض القيظ”، أم كان أيضا عبورا نفسيا وروحيا غيرك من الداخل؟

◉ العبور في الكتاب لم يكن مجرد انتقال من مدينة إلى قرية نائية، بل كان انتقالا داخليا بامتياز. تجربة “احصيا” أو “أرض القيظ” كانت أشبه بمخاض عسير، فقد وصلت إلى هناك محملا بأفكار وتوقعات مسبقة، لكنني اصطدمت منذ البداية بقسوة الطبيعة وعزلة المكان وصرامة الحياة اليومية. غير أن تلك التجربة علمتني معنى العزلة المنتجة والمثمرة، ففي صمت “أرض القيظ”، وتحت ضوء قمرها الذي كان يبدو أحيانا كلوحة سريالية، وجدت نفسي وجها لوجه أمام أسئلتي الداخلية. هناك أدركت أن النضج الحقيقي، لا يولد من الراحة، بل من رحم الانكسارات والتجارب الصعبة التي تدفع الإنسان إلى إعادة ترتيب أولوياته والنظر إلى الحياة بعيون أكثر هدوءا وعمقا.

◆ في بداية “عبور” نشعر بثقل العزلة وقسوة المكان… كيف استطاع محمد رياض أن يتصالح تدريجيا مع ذلك العالم البعيد؟

◉ في البداية كان شعور الاقتلاع من الفضاء المعتاد ثقيلا جدا، فكل شيء هناك كان مختلفا: المناخ الجاف، اللغة، الصمت المريب، وحتى إيقاع الحياة اليومي. كنت أشعر كأنني ألقيت فجأة في عالم بعيد عن كل ما ألفته سابقا. لكن التصالح مع المكان لم يحدث دفعة واحدة، بل جاء عبر التفاصيل الصغيرة والبسيطة. جاء من جلسات المساء مع الزملاء في ذلك المقهى المتواضع، ومن الابتسامة الصادقة لحميد النادل، ومن أحاديث “عمي الموح” التي كانت تفتح لي نوافذ على تاريخ المنطقة وذاكرتها الجماعية. شيئا فشيئا، أدركت أن المشكلة لم تكن في المكان بقدر ما كانت في طريقتي في النظر إليه. وحين منحت نفسي فرصة الإصغاء للمكان بدل التذمر منه، بدأت أكتشف أن الجمال يمكن أن يختبئ حتى داخل أكثر البيئات قسوة وفقرا وعزلة.

◆ يبدو أن القراءة والثقافة كانتا وسيلتك لمقاومة قسوة الواقع هناك… هل أنقذك الأدب فعلاً في تلك المرحلة؟

◉ الأدب بالنسبة إلي لم يكن مجرد وسيلة لتزجية الوقت أو الهروب المؤقت من العزلة، بل كان شكلا من أشكال الإنقاذ الداخلي. في غياب التلفاز ووسائل الترفيه الحديثة، تحولت الكتب والروايات التي حملتها معي إلى نوافذ مفتوحة على العالم. كنت أعود لقراءة أعمال عبد الرحمن منيف، وحنا مينة، ومحمد زفزاف وغيرهم، وكأنني أبحث داخل نصوصهم عن رفقة إنسانية تخفف وطأة الوحدة. القراءة في “أرض القيظ” جعلتني أكتشف أن العزلة يمكن أن تتحول من عبء ثقيل إلى فسحة للتأمل وإعادة اكتشاف الذات. لقد ساعدني الأدب على تحويل المعاناة اليومية والتفاصيل القاسية إلى مادة للتفكير والتأمل، ومنح لتلك التجربة معنى أعمق يجعل الحياة أكثر احتمالا وقيمة.

◆ شخصيات بسيطة مثل “عمي الموح” و”حميد” تركت أثرا قويا داخل النص… لماذا ينتصر البسطاء دائما في الذاكرة الإنسانية؟

◉ لأن البسطاء يملكون المادة الخام للإنسانية، أي تلك الإنسانية غير المزيفة التي لم تفسدها الحسابات المعقدة ولا الأقنعة الاجتماعية. هم يعيشون بعفوية وصدق فطري يترك أثرا نقيا في الروح. قد ننسى أصحاب السلطة والنفوذ، لكننا لا ننسى أبدا شخصا بسيطا مثل “عمي الموح” الذي كان يزودنا بالبشاشة قبل البضاعة، أو “با التهامي” الذي يجلس بهدوء بين الباعة ويوزع الابتسامات دون ضجيج، أو طيبة “مي رقية” ورقيها الإنساني. هؤلاء الناس يشبهون جذور الحياة العميقة، يحملون حكمة لا توجد في الكتب، حكمة صنعتها التجارب القاسية والصبر والرضا والبساطة. لذلك ينتصرون في الذاكرة لأنهم الأقرب إلى الفطرة الإنسانية التي تبحث دائما عن الصدق والدفء الحقيقي.

◆ إلى أي حد يمكن اعتبار “عبور” سيرة ذاتية متنكرة في لباس أدبي وسردي؟

◉ هناك بالفعل خيط رفيع يربط “عبور” بتجربتي الشخصية كمدرس عاش تجربة الاغتراب في “أرض القيظ”، لكن بمجرد دخول التجربة إلى عالم الكتابة، فإنها تتحول إلى عمل أدبي وفني يتجاوز حدود السيرة الذاتية المباشرة. أنا لا أكتب بهدف توثيق الوقائع كما حدثت حرفيا، بل أحاول التقاط المعنى الإنساني الكامن خلفها. لذلك يمكن القول إن “عبور” هو سيرة مكان بقدر ما هو سيرة ذات، ومحاولة لجعل التجربة الفردية، أي تجربة المدرس المغترب وسط العزلة والقسوة، تجربة إنسانية أوسع يمكن لأي قارئ أن يجد جزءا من نفسه داخلها. فالأدب في النهاية لا ينقل الواقع كما هو فقط، بل يعيد تشكيله ليصبح أكثر قدرة على المشاركة والتأمل والإحساس.

◆ في “الزنقة 33”، نشعر أن الأزقة والفرن التقليدي والسينما والشارع ليست مجرد أماكن، بل كائنات حية تتنفس… كيف تكتب المكان بهذه الروح؟

◉ لأنني أكتب المكان بقلبي، لا باعتباره جغرافيا جامدة أو مجرد فضاء مادي. المكان بالنسبة إلي مستودع للمشاعر والذكريات والروائح والأصوات. حين أستحضر “سينما النجاح” أو “قصر برانس” أو أتجول بذاكرتي داخل “الجوطية القديمة”، فأنا لا أصف حجارة أو بنايات صامتة، بل أستعيد زمنا كاملا كان نابضا بالحياة. أستحضر وجوه الناس، وضجيج الشوارع، وروائح الخبز، ودهشة الطفولة الأولى. المكان عندي يتحول إلى كائن حي يحمل ذاكرة جماعية كاملة، ولذلك يبدو وكأنه يتنفس داخل النص. فالكتابة عن المكان ليست وصفا خارجيا، بل محاولة لإحياء الروح التي كانت تسكنه، واستعادة ذلك الاندهاش البريء بالحياة الذي كنا نحمله ونحن نعبر تلك الأزقة ونكتشف العالم لأول مرة.

◆ هل هذا الكتاب مجرد حنين لطفولة مضت، أم محاولة لتوثيق ذاكرة جماعية مهددة بالاختفاء؟

◉ أعتقد أنه يجمع بين الأمرين معا. فالحنين حاضر بالتأكيد، لأن الإنسان لا يستطيع أن يكتب عن طفولته وأمكنته الأولى، دون أن يتسلل شيء من الشوق والأسى الجميل إلى النص. لكن الكتاب في العمق هو أيضا محاولة لإنقاذ ذاكرة جماعية من التلاشي. هناك أحياء شعبية وأزقة ووجوه وعادات وتفاصيل يومية تختفي بهدوء تحت ضغط التحولات الاجتماعية والعمرانية السريعة. أشعر أحيانا أن جزءا كبيرا من العالم الذي شكل وجدان جيلي يتعرض للمحو التدريجي، ولذلك أحاول عبر الكتابة أن أوثق تلك التفاصيل الصغيرة قبل أن تبتلعها الذاكرة المنسية. فالكتابة هنا ليست فقط استعادة للماضي، بل مقاومة رمزية للنسيان، ومحاولة للحفاظ على روح الأماكن والناس الذين صنعوا جزءا من هويتنا الجماعية.

◆ هل هذا الكتاب مجرد حنين لطفولة مضت، أم محاولة لتوثيق ذاكرة جماعية مهددة بالاختفاء؟

◉ هو مزيج بين الأمرين معا: حنين شخصي، ورغبة ملحة في حفظ ذاكرة جماعية بدأت تتآكل تحت ضغط التحولات السريعة التي يعرفها المجتمع. نحن نعيش اليوم زمنا تختفي فيه تدريجيا طقوس الجيرة، واللغة اليومية البسيطة، ودفء العلاقات الإنسانية القديمة. لذلك تصبح الكتابة نوعا من المقاومة الرمزية ضد النسيان. إنني أحاول أن أحفظ ملامح ذلك العالم داخل الكلمات، لا بهدف تقديس الماضي أو الهروب إليه، بل حتى لا نفقد شيئا من هويتنا الإنسانية، وسط هذا الإيقاع المادي السريع الذي يبتلع التفاصيل الجميلة بهدوء.

◆ هناك حزن هادئ يسكن بين سطور “الزنقة 33”.. هل كانت الكتابة محاولة لترميم شيء انكسر داخلك مع الزمن؟

◉ ربما هو بعض الحزن الهادئ الذي يرافق الإنسان، كلما تقدم به العمر، لأنه يصبح أكثر وعيا بما فقده من أشخاص وأزمنة وقيم كانت تمنحه نوعا من الأمان النفسي والوجداني. الكتابة بالنسبة إلي شكل من أشكال الترميم الداخلي. حين أستعيد صورة والدتي وهي تدق خيوط المنسج، أو والدي وهو يحاول ضبط موجات المذياع، فأنا لا أستعيد مشاهد عابرة فقط، بل أحاول جمع شظايا ذاتي التي بعثرتها السنوات. السرد يمنحنا إمكانية إعادة بناء عالم مكسور، ولو بالكلمات، ويجعلنا نتصالح نسبيا مع ما لم يعد ممكنا استرجاعه في الواقع.

◆ بعد “عبور” و”الزنقة 33″، هل ما زال هناك جزء ثالث من الذاكرة ينتظر لحظة الكتابة والخروج إلى الضوء؟

◉ الذاكرة خزان لا ينفد، وكلما نبشنا في زاوية منه ظهرت لنا زوايا أخرى أكثر عمقا وخفاء. الذاكرة ليست كتابا مغلقا، بل نهر متدفق يحمل معه صورا وتجارب ومشاعر تتجدد باستمرار. لذلك أشعر دائما أن هناك مناطق أخرى داخل الذات والحياة، تستحق أن تُكتب يوما ما. ربما يكون هناك جزء ثالث يكمل هذا المسار، وربما يفتح أفقا مختلفا تماما، لكن المؤكد أن التجارب الإنسانية لا تتوقف، وأن الكتابة تظل محاولة مستمرة لاكتشاف ذلك الجزء الخفي من الروح والحياة.

◆ أخيراً… هل يمكن القول إن الإبداع يولد من الألم والعزلة ومن الأشياء التي نظن أنها كسرتنا؟

◉ ليس دائما، فالإبداع لا يولد فقط من الألم، بل يحتاج أيضا إلى نوع من التوازن الداخلي والمسافة الهادئة التي تسمح للتجربة بأن تنضج داخلنا. صحيح أن الانكسارات والعزلة قد تكون أحيانا الشرارة الأولى، لكنها وحدها لا تكفي لصنع نص حقيقي. الكتابة تحتاج إلى تأمل وهدوء وإعادة فهم لما عشناه. الإبداع في جوهره هو القدرة على تحويل تلك الجراح والانكسارات إلى معنى إنساني، وإلى نوافذ يمر منها الضوء نحو الآخرين، حتى يشعر القارئ أن آلامه أيضا، يمكن أن تتحول إلى شيء جميل وقابل للحياة.

◆ بعد “عبور” و”الزنقة 33″، هل هناك مشروع أدبي جديد يتشكل بهدوء في الكواليس؟

◉ الكتابة الإبداعية ليست مشروعا تقنيا نخطط له بشكل صارم، وليست برنامجا جاهزا تحدد له مراحل التنفيذ مسبقا، بل هي شيء ينمو في الداخل ببطء وهدوء. الفكرة تحتاج أحيانا إلى سنوات حتى تنضج داخل الوجدان، وتصبح قادرة على التحول إلى نص حي. أشعر دائما أن هناك ذاكرة أخرى تستعد للعبور نحو الورق، لكنني أترك لها وقتها الطبيعي، لأن أجمل الأشياء في الحياة غالبا ما تولد بعفوية ودون سابق إنذار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.