مدارس الريادة: استعراض عضلات هش أم وعد كاذب للأجيال؟

ضربة قلم
في عالم تتسارع فيه التحولات العالمية وتزداد فيه الحاجة إلى أنظمة تعليمية متينة، يبدو أن المغرب ما زال يعاني من تراكم الإخفاقات القديمة تحت غطاء “مشاريع الإصلاح الطموحة”. مشروع مدارس الريادة، الذي أُعلن عنه قبل سنوات، كخيار مبتكر لمواكبة العصر الرقمي، لم يخرج بعد من مرحلة التصريحات والإعلانات الرسمية، ليُظهر للأسف أن الإصلاح الجاري، حتى اليوم، يتم بطريقة ترقيعية، عشوائية، وغير مستدامة.
ترقيع مستمر بدل استراتيجية واضحة
الملاحظ أن تطبيق مشروع تعميم مدارس الريادة على الأرض، يعكس منطق الاستعراض الهش للعضلات، أكثر من كونه خطة تعليمية متماسكة. فالتعميم المعلن للمشروع في مختلف المناطق المغربية يبدو بعيد المنال، خاصة في القرى النائية والمناطق ذات البنية التحتية المتواضعة. الحديث عن لوحات ذكية، مختبرات رقمية، وفصول افتراضية، يتصادم يوميًا مع الواقع الميداني الذي يفتقد الكهرباء المستقرة والإنترنت القوي والأجهزة الأساسية.
التمويل: أولوية غير مُدرَكة
المشروع ليس بحاجة إلى بروباغندا إعلامية أو استعراضات رسمية، بل إلى دعم مالي حقيقي وموجه نحو التجهيز والتأهيل المستدام للمدارس والمعلمين، لا إنفاق على شعارات وزيارات رمزية. كل يوم يمر دون تخصيص موارد مالية كافية، يضاعف الفجوة بين طموحات المشروع وواقع المدارس المغربية.
غياب رؤية مستقبلية واضحة
منذ انطلاق مشروع مدارس الريادة، يلاحظ المتابعون غياب وضوح الرؤية المستقبلية، حيث تفتقر الخطط إلى مؤشرات دقيقة للقياس وآليات واضحة للتعميم التدريجي والفعّال. وينطبق هنا التعبير الشعبي المغربي “من الخيمة، خرج مايل” بكل وضوح: فالمشروع يسعى لتقديم صورة براقة على الورق، بينما الواقع المدرسي الفعلي لا يزال يعاني من اختلالات هيكلية حقيقية تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.
تجربة جيل مدرسة النجاح: عبرة لم تُستفد منها
لا يمكن فَهم إخفاق المشروع الحالي دون استحضار تجربة جيل مدرسة النجاح منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة. آنذاك، أُطلق مشروع واسع الوقع، واعد بالكثير من الإصلاحات التعليمية، إلا أن الواقع الحالي، يؤكد أن النتائج كانت مخيبة للآمال: لا نجاح ملموس، ولا استمرارية حقيقية، وغالبية التجارب، انتهت إلى الذاكرة التاريخية، دون فائدة عملية. هذا التاريخ يجب أن يكون عبرة لتجنب تكرار أخطاء الماضي في مشروع مدارس الريادة.
الخرجة الشهيرة: الوزير يوصي بالتعليم “البعيد”
النقطة التي أفاضت الكأس وأظهرت هشاشة المشروع تعلقت بتصريح الوزير برادة التاريخي لأولياء الأمور بالتوصية بـ”البحث عن مدارس بعيدة”، تعبيرًا عن عدم القدرة على تحسين جودة التعليم في مدارسهم المحلية. هذا التصريح لم يكن مجرد زلة، بل شهادة صريحة على فشل السياسات الترقيعية التي لا تعالج جذور المشاكل، وتزيد شعور الأسر بالإحباط، وفقدان الثقة في المدرسة العمومية.
البديل: إصلاح جدري استراتيجي
الحل الحقيقي لا يكمن في إطلاق مشاريع ترقيعية، أو الإعلانات الرسمية، بل في تعيين وزير من طينة رجال التربية الناجحين، قادر على قيادة إصلاح جدري شامل ومستدام. هذا الإصلاح يجب أن يرتكز على عدة محاور:
-
تأهيل الأساتذة وتوفير أدوات تعليمية متقدمة تضمن تقديم تعليم ذي جودة لجميع التلاميذ، بعيدًا عن التمييز بين المناطق أو الطبقات الاجتماعية.
-
تطوير مناهج متكاملة تراعي كفايات القرن الحادي والعشرين، مع الحفاظ على القيم الوطنية والإنسانية.
-
تمويل مستدام ومحدد الأهداف، يضمن صيانة البنية التحتية وتجديد الموارد الرقمية والتكنولوجية باستمرار.
-
رؤية واضحة للتقييم والمتابعة، عبر مؤشرات دقيقة لقياس التقدم والنجاح، مع إشراك المجتمع المدني، والأسر في العملية التعليمية.
-
استراتيجية لتعميم التجربة بشكل متدرج، يبدأ بالمناطق ذات الاستعداد الأفضل، ثم يشمل المناطق الصعبة، مع مراعاة خصوصيات كل بيئة.
خلاصة
مشروع مدارس الريادة، كما يُطبق اليوم، يُظهر أن الإصلاح في المغرب، يميل أكثر إلى الإصلاح الترقيعي والتصريحات البراقة، وليس إلى استراتيجية حقيقية قادرة على إحداث نقلة نوعية في التعليم العمومي. إن إنجاح هذا المشروع يتطلب إرادة سياسية حقيقية، قيادة تربوية ناجحة، ودعم مالي وتقني مستمر، حتى تتحول المدارس الرائدة، من شعار إعلامي إلى حقيقة ملموسة تُعيد للمدرسة العمومية كرامتها ومكانتها.
البديل يا سادة، ليس مشاريع ترقيعية أو تصريحات فاصلة، بل إصلاح شامل وجذري يضمن لتلاميذ المغرب، التعليم الذي يستحقونه، ويبني جيلًا قادرًا على مواجهة تحديات المستقبل بثقة وكفاءة، وحماية القيم الوطنية والإنسانية التي تشكل العمود الفقري لمستقبل البلاد.




