الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

مدارس تصلح فقط لتدريس الخراب… والتعليم يحفظ الغياب عن ظهر قلب

ضربة قلم

في مكان ما من هذا الوطن الممتد كوجعٍ قديم، هناك قرى لا يعرف أهلها شيئًا عن “المخطط التنموي الجديد”، لكنهم يعرفون جيدًا كيف تمشي الحروف حافية في الطين، وكيف تنام الأحلام في العراء دون بطانيات أو نوافذ.

مدارس؟ نعم، هناك شيء اسمه “المدرسة”، ولكن لا تفرح كثيرًا، فالمدرسة هناك تشبه بيتًا تخلى عنه أصحابه منذ قرون، جدرانه منهكة من ثقل الصمت، وسقفه يتسرب منه الشتاء مثل همٍّ مقيم. لا أبواب تحمي من الريح، ولا نوافذ تفتح على ضوء. هناك فقط ثقب كبير في الجدار يسمونه “نافذة”، وثقب أكبر يسمونه “باب”، وثقب أكبر من كل ذلك في قلب الطفل الذي يأتي كل صباح وهو لا يعلم إن كان سيعود حيًّا أم لا من شدة البرد.
الطاولات هناك ليست من خشب، بل من ذاكرة الحطب، والكراريس ليست إلا أوراقًا صفراء بحدود ممزقة، كأنها خريطة وطن مبعثر. أما السبورة، فهي أثر بعد عين؛ قطعة من الخشب المقشر، مكتوب عليها بـ”النيڤرو”، ومحيت الكتابة بعصا، لأن الإسفنج رفاهية لا تُمنح للفقراء.
الطفل هنا لا يتعلم “ألف، باء، تاء” من الكتاب، بل من الريح التي تعصف بالطباشير، ومن قدمه العارية التي ترسم الحروف على التراب. نعم، هنا يتعلم الطفل أن “ث” تعني ثلجًا يتسرب إلى أصابع قدميه، و“ح” هي حرف الحيرة التي تطل من عيون المعلم، و“ش” هي الشقاء المرسوم فوق رؤوس الأمهات، و“ط” هي طين لا يجف أبدًا حتى في عز الصيف.
والأحلام؟ آه من الأحلام. كيف لأحلام أن تنمو في مكان لا توجد فيه نافذة واحدة تطل على الضوء؟ هناك أحلام عالقة في سقف من القصدير، لا تستطيع الطيران لأنها لا تملك أجنحة، ولا تعرف كيف تهرب من الفقر لأنها لم تدرس “الجغرافيا”. طفل يحلم أن يصبح طبيبًا، وآخر يحلم أن يمتلك محفظة، وثالث يحلم أن يكون له مقعد لا تشاركه فيه الأشواك. طفل هناك سأل معلمه ذات صباح: “أستاذ، واش المدرسة كتولي زوينة فالمدينة؟” فأجابه المعلم، وهو ينظر إلى السماء الرمادية: “المدينة كتولي زوينة بلا مدرسة، حنا غير كنديرو التمرين ديال الصبر”.
الوزارة طبعا، لا ترى في هذه المدارس سوى أرقام في تقرير، وجملة في خطاب، وملف في رفٍّ بعيدٍ في الرباط. أما الوزير، فربما يمر بالقرب منها من نافذة الطائرة، لكنه لا ينزل، لأنه يعرف أن نزوله سيكون صعبًا، وقد تضيع رجله بين أحجار الجبل. وما الفائدة؟ هؤلاء الأطفال لن يشكلوا خطرًا انتخابيًا، لأن الصناديق لا تصل إليهم، تمامًا كما لا تصل المقررات والكتب.
في نهاية الأمر، هم مجرد “تلاميذ قرويين”، يمكن أن يتعلموا الحساب من عدد الأغنام، والقراءة من لافتات السوق الأسبوعي، والعلوم من مواسم الجفاف، والتاريخ من وجوه أمهاتهم. أما نحن، فسنواصل الغرق في مؤتمرات الجودة والإصلاح والتكوين، ونحن نعلم أن هناك مدرسة بلا باب، وطفلًا بلا معطف، وأبًا بلا أمل، ووطنًا يصر على دفن مستقبله في طين البادية، ثم يضع فوقه حجرًا مكتوب عليه: “رؤية 2035”.
يا للمهزلة، ويا للبكاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.