مدرِّسات التيك توك: غواية البوز وضياع الهوية المهنية

محمد رياض/ أستاذ وكاتب
تحول الفضاء المدرسي، الذي ظل لأزمنة محاطا بقدسية المعرفة والوقار، إلى ” بلاطو” تصوير حيث تجاوز الأمر الممارسات الفردية المعزولة ليغدو ظاهرة مقلقة، صارت تتنامى وتخترق حرمة المؤسسات التعليمية، إذ تحولت فضاءاتها إلى خلفيات لالتقاط مقاطع فيديو تبرز المظهر الشخصي وتفاصيل الحياة اليومية، وتستغل في الاستعراض الذاتي وعرض الاهتمامات الشخصية، وتتكرر مثل هذه المشاهد المفلترة واللقطات المنتقاة وغيرها بمضامين مختلفة وفجاجة موحدة بهدف واحد: حصد الإعجاب وخلق البوز.
إن تناول هذا الموضوع يستدعيه تفشي هذا الاستعراض الفج والمبتذل عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليصير ظاهرة لافتة، طالت في بدئها العنصر النسوي، وصار الأمر يمتد لاحقا ليشمل فئات من المدرسين الذكور أيضا. إن هذه المشاهد ليست مجرد سلوكيات فردية عابرة، بل تعكس كيف امتد هذا السيل الرقمي الجارف ليخترق حصون المؤسسة التعليمية ورجالها ونسائها، وهو ما يجعلها ظاهرة تستدعي قراءتها قراءة يتقاطع فيها البعد التربوي والسوسيولوجي والنفسي لتشخيص هذا التحول المثير في جسد المنظومة التعليمية.
من منظور أخلاقيات المهنة، تناقض هذه السلوكيات المبادئ الجوهرية للرسالة التعليمية، فمراكز الامتحانات والتصحيح وقاعات الدروس هي فضاءات تربوية تحكمها قواعد أخلاقية وقوانين صارمة تمنع استعمال الهواتف بالأساس واستغلال هذه الفضاءات لغير الأغراض والأهداف التربوية. وبالتالي، فإن تحويلها إلى خلفيات لاستعراض الأناقة الشخصية والانشغالات الذاتية والأغراض الشخصية يضرب في عمق جوهر الرسالة التربوية وهيبة الاستحقاق التعليمي. كما يساهم هذا السلوك بشكل مباشر في تشويه صورة “القدوة” المفترضة، فالمدرِّس أو المدرِّسة في المتخيل الاجتماعي والتربوي هو نموذج ومثال للتلميذ، وعندما يرى المتعلم الأستاذ يَختزِل قيمته في مظهر أو لباس أو مقطع استعراضي، يسقط النموذج الافتراضي للوقار، ويتكرس لدى الناشئة انطباع بأن السطحية والمظهر هما معيار النجاح في المجتمع وليس الجهد المعرفي، ناهيك عن هدر الزمن المدرسي الذي يضيع بين تحضير زوايا التصوير واختيار الموسيقى وإعادة اللقطات داخل الفصول.
أما من زاوية سوسيولوجية وفكرية، فتجد هذه الظاهرة تفسيرها في التحولات التي فرضتها الرأسمالية الرقمية، حيث لم يعد العمل قيمة في حد ذاته، بل تحول إلى أداة لتسليع الذات والوظيفة. وبناء عليه، لم تنجُ المدرسة من هذا التأثير، فتتحول في بعض الأحيان إلى مجرد “ديكور” لتعزيز الرأسمال الرمزي والرقمي لصاحب أو صاحبة الحساب. ويتشابك هذا التحول السوسيولوجي مع عامل أساسي يكمن في انحسار الوعي العميق بقدسية المهنة، وتراجع الإطار المعرفي والثقافي الصلب الذي يفترض أن يوجه ويؤطر الفعل التربوي والممارسة اليومية لدى فئات واسعة من المدرسين والمدرسات اليوم، إذ ينعكس هذا الفراغ الثقافي في غياب الرؤية الفلسفية للوظيفة التعليمية، مما يجعل الذات التربوية هشة أمام إغراءات السطحية وسريعة التأثر بإغراءات العصر الرقمي. والحقيقة أن مهنة التدريس صارت تعاني في السنوات الأخيرة من تراجع في مكانتها الاعتبارية، ومن أزمة في الاعتراف الاجتماعي بأدوارها، فيلجأ البعض إلى الفضاء الافتراضي كآلية أخرى تعويضية يظن أنها تمنحه اعترافا فوريا وتقديرا سريعا من خلال متابعين عجز الواقع عن توفيره. هذا التداخل بين العام والخاص يعبر عن حالة الاجتياح الرقمي الذي يجرف القيم، حيث أصبح السلوك الاستعراضي مقبولا بل ومطلوبا للاندماج في مجتمع “المؤثرين” وثقافته.
ومن منظور نفسي، ينجد هذا الاندفاع يغذيه دافع يرتبط بالنرجسية وهوس الظهور، يتجلى في استعراض فج للذات ورغبة طفولية في الاستحواذ على الأنظار والاهتمام. فالتركيز على التفاصيل الشكلية والأكسسوارات يمثل بحثا مستمرا عن التحقق والاعتراف من خلال عيون الآخرين، مما يسقط الفاعل التربوي في فخ الإدمان النفسي للجمهور الافتراضي. وينتج عن ذلك انفصام بين الهوية المهنية الواعية والهوية الرقمية المستلبة، ويعكس تمزقا بين الرغبة في الحفاظ على وقار الوظيفة والحصول على شارة الريادة الرقمية ونجومية المؤثرين، مما يوقع الذات في سلوكيات هجينة تفتقر إلى النضج وتبتعد عن أخلاقيات المهنة.
إن هذه المشاهد لا تمثل في عمقها إلا مرآة لمجتمع تراجعت فيه أدوار مؤسسات التنشئة والتثقيف وصارت تجرفه سيول التحول الرقمي، فالمدرسة هي الحصن الأخلاقي للمجتمع، وعندما يتصدع هذا الحصن وتسقط المدرسة في شراك السطحية، لن نفقد حينها هيبة الأستاذ فحسب، بل نفقد البوصلة التربوية التي توجه أجيال المستقبل. وهو ما يجعل مواجهة هذه الظاهرة تتطلب ما هو أعمق من المقاربة الزجرية القانونية، نحو إعادة بناء الوعي المعرفي والتربوي، وترسيخ ” تربية رقمية ” حقيقية تعيد رسم الحدود الفاصلة بين حرية الفرد في حياته الخاصة ومسؤوليته الأخلاقية داخل المؤسسة التعليمية.



