الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

فن وثقافةمجتمع

مدينة الأقنعة: حيث تُباع الضحكات بالساعة ويُدهس الصدق تحت الأقدام

م-ص

في مدينة تتقن صناعة الأقنعة أكثر مما تتقن صناعة الخبز، حيث تُباع الابتسامات على أرصفة الطمع بثمنٍ أغلى من الذهب، يسير هو بخطوات لا معنى لها في نظر الجموع، خطوات تبدو كفضيحة وسط سوق الكذب. هنا، حيث الضحكات مستأجرة بالساعة، والهمسات ملوثة كهواء المصانع، يلتف الزيف حول الأرصفة كما يلتف الدخان حول نار رخيصة.

الناس يجرون خلف المنافع ككلاب جائعة تركض وراء عظمة، يتهافتون على فتات من مصالح، ثم يدهسون بأحذيتهم على الجمال الحقيقي دون أن يطرف لهم جفن. الأنانية ترقص وسط الشوارع كراقصة سكارى، الانتهازية تتصبب عرقاً من فرط الرقص، والنفاق يتسرب في كل يد تُصافحك ببرود كريح مسمومة.

أما هو، فيبدو كالمجنون في سيره الصامت. لا يسأل إذنا من العالم، ولا يستعير قناعاً من أقنعة السوق السوداء. يرى في ضحكة طفلٍ عابرٍ معجزةً أكبر من خطب السياسيين، وفي شمس الصباح وعداً أصدق من وعود الانتخابات، وفي قطرات المطر رسالة سخرية من السماء تقول: “ها أنا هنا، بينما أنتم ما زلتم تتنازعون على الأقنعة.”

يهمس لنفسه: “دعهم ينامون في أحضان المظاهر، دعهم يبيعون ويشترون في سوق القلوب، لكن قلبي لن ينام. لن أختزل الحب في بطاقة بنكية، ولن أساوم على فرحتي كما يساومون على دمعة طفل أو خبزة فقير.” يبتسم بسخرية مرة، ويواصل السير، وفي عينيه بريق يشبه نكتة حزينة تُروى على مائدة مليئة بالمتصنعين.

يمر بين وجوه متكدسة، يلتقط بقايا مشاهد حقيقية نادرة: امرأة تضم طفلها بصدق لا يعرف التزييف، رجل يمد يده لشخص سقط دون أن ينتظر كاميرا لتصوره، وضحكة بريئة تنفلت من فم طفل لم يبلغه وباء النفاق بعد. تلك اللحظات الصغيرة تصبح لديه أثمن من كل الأقنعة التي تتكدس في السوق.

وفي المساء، حين ترتدي المدينة ثوبها المزركش بأضواء النيون، أضواء تبدو كنجوم مزيفة معلقة بخيوط الكهرباء، يجلس على الرصيف ويغلق عينيه. يسمع دقات قلبه تتحدى صخب الأكاذيب، ويبتسم ساخراً: “لقد أحببت، لقد عشت، وهذا يكفيني. فالعالم يمكنه أن يغرق في أقنعته، أما أنا فسأبقى وردة بريّة تنمو في حقلٍ من البلاستيك.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.