مدينة للبيع: حين تُقاس الأوطان بثمن المتر المربع

ضربة قلم
في مدنٍ تتحوّل فيها الأرصفة إلى بضاعة، والهواء إلى استثمار، والماء إلى مشروع خصخصة، يصبح من الطبيعي أن يُسعَّر الوطن كما تُسعَّر الشقق في إعلانات الشركات العقارية. لا أحد يسأل: من يسكن؟ من يرحل؟ من يُرمى خارج أسوار الإسمنت؟ فالأهم هو رقم الصفقة، لا عدد القلوب التي تحطّمت على الهامش.
في مدينة للبيع، البيت لم يعد بيتًا، بل “منتوجًا عقاريًا”، يُسوَّق على اللوحات الإعلانية بألوان براقة: ثلاث غرف، صالون، مطبخ عصري… لكن من يسوّق “الحنان” و”الأمان”؟ من يبيع “ذاكرة الطفولة” أو “رائحة الخبز الساخن” التي كانت تملأ الأزقة؟
تُطرد الأسر القديمة كما يُطرد الغبار من النوافذ، يُنقلون إلى الضواحي البعيدة، ويُستبدَل جيران الأمس بواجهات زجاجية باردة. لا أحد يلتفت إلى الأرصفة التي فقدت خطواتها المعتادة، أو إلى الأزقة التي صارت بلا أصوات ضحك، بلا جارات يتبادلن الخبز والقصص.
أما السلطة، فهي تكتفي بفتح الأبواب للمستثمرين الكبار. تبيع الذاكرة، قطعة قطعة، مترًا بمتر. وتكتب على جدار المدينة: “هنا يبنى مشروع المستقبل”. لكنه مستقبل من؟ بالتأكيد ليس مستقبل الذين صاروا غرباء في مدينتهم.
وهكذا تصير المدينة مثل لوحة إعلانية ضخمة: جميلة من بعيد، فارغة من الداخل. تُباع الأحلام مع الأقساط الشهرية، ويُرهن الغد لدى الأبناك. مدينة للبيع، لكن من يشتري الوطن؟




