مديونة بين السياسة والتوظيف الانتخابي لشهر رمضان

ضربة قلم
في إقليم مديونة الذي لطالما كان موقعًا للمنافسات السياسية الحادة، برز في الآونة الأخيرة، ما يمكن وصفه بـ التحضير “الاستعجالي” غير المسبوق للانتخابات التشريعية المقبلة، الذي لا ينتظر حتى إعلان رسمي للسباق، وإنما بدأ منذ أسابيع، تحديدًا في أجواء شهر رمضان الكريم. الملفت أن هذا التحضير، لا يأخذ الشكل التقليدي للقاءات السياسية أو الاجتماعات الحزبية، بل يتحول تدريجياً إلى فضاءات اجتماعية مقنعة، أبرزها:
موائد الإفطار الجماعية،
حلقات السمر السياسية بعد الصلاة،
لقاءات روحانية سياسية مخفية تحت عنوان “التواصل الاجتماعي في رمضان”. وهنا يكمن السبب في التحول: شهر رمضان – ببركته الروحية والاجتماعية – يُستثمر أحيانًا، كمنصة للتلاقي المكثّف بحجة “المودة والتواصل”، لكنه يتحول عمليًا إلى فضاء مكشوف لتجديد الولاءات، وتأطير القواعد، وإعادة توزيع الأدوار بين القوى السياسية المحلية.
من هم الفاعلون؟ وفق معطيات متعددة جمعناها من مصادر محلية، يتصدر هذه التحركات:
منتخبون بارزون ينتمون إلى أحزاب الأغلبية الحكومية الحالية،
شخصيات سياسية نافذة ارتباطًا بمصالح اقتصادية واجتماعية في الإقليم،
حلفاء تقليديون لهذه القوى، بينهم وجوه من المجتمع المدني، تُستدعى أحيانًا، تحت ذريعة البر والتواصل. هذا التحرك لا يقتصر فقط على شخصيات حزبية بملصقات انتخابية، بل يشمل أيضًا:
مستشارين جماعيين ورؤساء لجان محلية،
فاعلين اقتصاديين مرتبطين بالشبكة الحزبية نفسها،
مجموعات ضغط تنتظر توزيع “الخدمات”، الانتخابية مقابل الدعم السياسي.
كيف يتم ذلك عمليًا؟
1 موائد الإفطار كآليات للتجنيد والتحشيد، ليست مجرد وجبة رمضانية، بل جلسات منتظمة تُدار فيها الاستراتيجيات، وتُحدد فيها التحالفات، وتُوزع فيها الوعود. في التفاصيل:
يتم دعوة جماعات معينة من مؤيدي الحزب والدائرة الانتخابية،
يُمنح الحديث طابعًا وديًا، لكنه سرعان ما يتحول إلى مناقشات سياسية علنية،
تُسجل ملاحظات حول من “هو الأقرب” لتلقي الدعم لاحقًا. وهنا تكمن الخطورة: فقد تتحول هذه اللقاءات إلى منصات لترسيخ الولاءات بدلًا من تعزيز القيم الرمضانية للسماحة والتعاون.
2 تحالفات نصف معلنة ونصف سرية لا يكاد يوم يمر دون تداول:
أسماء تتهيأ للترشح بدعم من أحزاب الأغلبية،
تفاهمات بين فاعلين محليين على تقاسم الدوائر،
تحالفات تمتد أحيانًا إلى خارج الإقليم، من أجل الدعم المالي واللوجستي. كل ذلك يُدار في الظل، وتحت ستار اللقاءات الرمضانية والاجتماعات الاجتماعية.
الأبعاد السياسية لهذه الظاهرة
1. سيطرة الأحزاب الحاكمة على الفضاء الانتخابي مبكرًا، بدل أن يتم فتح المجال، لجميع القوى السياسية بالتكافؤ، تبدو الساحة مُسيّجة مسبقاً لصالح:
عناصر محسوبة على السلطة،
فاعلون مرتبطون بالشبكات الانتخابية الرسمية،
شخصيات هي في الأصل جزء من نظام التحكم المحلي.
2. احتواء المجتمع المدني وتحويله إلى أدوات انتخابية، ما كان يُفترض أن يكون صوت المجتمع المدني المستقل، يتحول إلى:
ضامن للشرعية،
وسيط بين الناخبين والأحزاب،
وأحيانًا واجهة إعلامية لإضفاء شرعية اجتماعية، على التحالفات السياسية.
توظيف الزمن الرمضاني: بين الديني والسياسي شهر رمضان، بطبيعته موسم للتواصل الروحي والاجتماعي، لكن هنا: أصبح وسيلة لإعادة ترتيب الخريطة السياسية،
وتحوّلت فضاءات العبادة إلى فضاءات سياسية غير معلنة،
وتم استثمار النوايا الحسنة في خدمة أهداف انتخابية. لا يمكن تجاهل أن هذه الاستراتيجية، تزاحم الوظيفة الأصلية للشهر الكريم: التأمل، الإحسان، التضامن.
انعكاسات ذلك على المجتمع المحلي
1. تصدّع في الثقة الناس، حيث يشعرون أن السياسة، دخلت في كل زاوية من حياتهم، حتى في لحظات الإفطار، ما يخلق:
نفوراً من العمل السياسي الحقيقي،
توتراً بين من يرى في ذلك استغلالاً دينياً،
وبين من يعتبره جزءًا من “السياسة المعاصرة”.
2. إرهاق شبكات الدعم التقليدية فاعلون اقتصاديون واجتماعيون محليون، بدأوا يشعرون بضغوط سياسية غير مسبوقة، تمثلت في:
طلبات دعم لوجستي،
مطالب بتحقيق مكاسب قبل الانتخابات،
رسائل ضمنية بأن الدعم الاجتماعي، يجب أن يتوافق مع الولاءات السياسية.
هل هذا التوجه جديد؟ أم استمرار لممارسات قديمة؟ من خلال المتابعة والسجلات السياسية في الإقليم:
ليس جديداً أن تدخل السياسة في الفضاء الاجتماعي،
لكن ما هو جديد، هو استغلال شهر رمضان، بشكل منظَّم واستراتيجي، وليس عفويًا. مناطق أخرى في المغرب، واجهت هذا أيضًا، لكن في مديونة، يبدو المشهد أكثر تركيزًا، وأكثر تنظيماً، وأكثر تبنياً من قِبل فاعلين نافذين.
قراءة نقدية: هل يربح المجتمع أم الخاسر؟
مكاسب محتملة (نظرية فقط) إمكانية تنظيم فعاليات رمضانية، ذات طابع اجتماعي تعميق التواصل، بين المنتخبين والناخبين طرح بعض القضايا المحلية للنقاش العمومي
خسائر فعلية في استغلال الدين في خدمة السياسة،
إضعاف الحوار المجتمعي الحقيقي،
تحويل شهر روحاني إلى “مرحلة فيل سياسي”
تجميد مساحات النقاش الحر أمام الناخبين.
خلاصة التقييم
ما يحدث في مديونة ليس مجرد تحضير انتخابي عادي، بل:
تحول استراتيجي في استغلال الفضاء الزمني والرموز الدينية،
استثمار للشهر الكريم في أفق إعادة إنتاج النفوذ السياسي،
محاولة لإعادة تثبيت القواعد الانتخابية، قبل إطلاق السباق الرسمي،
وبالتالي خلق نوع من “الامتياز المسبق” للأحزاب المتسلطة والمهيمنة.
أخيرًا: سؤال مفتوح للمجتمع، هل يجب أن يتم فصل الفضاء الروحي عن السياسة؟ أو على الأقل وضع قواعد واضحة، تحترم حرمة الشهر الفضيل؟ وهل يمكن لمجتمع مدني قوي، أن يفرض قواعد لعبٍ نظيفة ومحايدة قبل الانتخابات؟




