الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

مراكش بين الأمس واليوم: حين تختلط الطنجية بظلال لا تشبهها

ضربة قلم

مراكش، يا حسرة، ماذا دهاكِ؟ أهي لعنة النخيل أم سحر الطنجية قد انقلب على الطباخ؟ كنا نحسبك مدينة الحمراء لا السوداء، مدينة الضحك لا البكاء، مدينة تُحكى عنها النكت لا تُصبح هي النكتة. تلك المدينة التي كان يدخلها الزائر محمولًا على أجنحة الأساطير، فيخرج منها محملًا بصور الطاجين والبهجة والصخب الحلال… صارت اليوم كابوسًا مقنعًا يبتسم من الخارج ويخفي خلف ابتسامته كاميرا تجسس و”ديلر” محترم يتحدث أربع لغات حية وواحدة ميتة اسمها الضمير.
كانت مراكش مشتى الملوك ومسرح العشاق وملاذ الباحثين عن دفء الروح في أزقتها الضيقة وروائحها التي تمزج بين الكامون والنعناع. أما اليوم، فصارت مزبلة للفضائح في كل نشرة أخبار مسائية. صار الحمّام الشعبي مكانًا مشبوهًا تُثبت فيه الكاميرات بحجة “الزوايا” وقداسة التوثيق! صار السائح مهددًا وهو يحك ظهره أن تنتهي الرحلة بصورة فاضحة على هاتف نادل سابق، تحوّل بقدرة قادر إلى منتج فيديوهات على اليوتيوب.
الماساچ؟ يا الله! من كان يظن أن زيت الأركان سيُستخدم في ما لا تُحمد عقباه! الصالونات التي كانت يومًا مكانًا لتدليك الظهر وترويح الجسد، تحولت بقدرة قانون أعرج إلى وكر لإعادة ترتيب الأخلاق… أو بالأحرى تفكيكها قطعة قطعة، مع خصم خاص لمن يحمل جوازًا أجنبيًا. شرطة الأخلاق؟ لا تتحرك إلا لماما. شرطة الكاميرا؟ هي المسيطرة.
والمخدرات؟ يا سلام! من كان يظن أن “الشيرا” البريئة ستُنحي جانبًا لتفسح المجال للكوكايين والقرقوبي والهروين المغلف بغلاف أنيق كعلبة شوكولا بلجيكية؟ من كان يتصور أن ملهى ليلي بمراكش سيكون فيه كل شيء متوفر إلا الرقابة؟ صار المشهد أشبه بفيلم مكسيكي، حيث الشرطي صديق المجرم، والزبون ضحية الصمت، والليل طويل كأن لا فجر بعده.
نحن لا نتحدث عن التفاصيل التافهة هنا، كسرقة محفظة أو نشّال في السويقة، فتلك مصائب عادية تقترن بأي مدينة كبرى. نحن نتحدث عن انزياح في هوية مدينة بأكملها، مدينة كانت تقول “مرحبا” بضحكة حقيقية، لا كاميرا خفية. عن مراكش التي كانت تخفي فقيرًا يصنع نكتة من جوعه، ولم تكن تخفي تاجر مخدرات خلف “بار” فاخر.
مراكش اليوم تئن، لكن بصمت فاضح. لا تصرخ، لأن صراخها يُسجل ويُبث في “ريل” قصير على تيك توك. مراكش الحقيقية تُختطف أمام عيون سكانها، الذين ما زالوا يضحكون، ولكن ضحكتهم هذه المرة تشبه بكاء عميق، بكاء من كان يعيش في مدينة تشبه الحلم، فإذا به يستيقظ ليجد نفسه وسط كابوس مبلل بالعرق والمخدرات و”الدوش البارد”.
يا مراكش، هل أكلتك السياحة حتى فقدتِ روحك؟ هل صدّقتِ أن المال يُعوض عن القيم؟ هل نفعكِ “الهايكينغ” و”المارينا” و”الفيو الحاد” من سطح رياض مملوك لفرنسي هرب من باريس لأنه تعب من القانون؟ كلنا تعبنا، لكنكِ كنتِ آخر فسحة للضحك، فإذا بكِ تتحولين إلى مادة صحفية ساخنة… حارقة… مبكية.
نريد مراكش القديمة، مراكش التي فيها فقيه بسيط يقرأ القرآن لا يحفظ أرقام الكاميرات، مراكش التي فيها حلاق يحكي نكتة عن السياسيين لا يخاف من زبون يضع “ميكروفون” في الكم. نريد مراكش التي كانت مدينة، لا مسرحًا للفضائح.
وحتى ذلك الحين، ابكوا يا ناس، فهذه المدينة لا تستحق سوى بكاء يشبه الضحك، أو ضحكًا يشبه البكاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.