مراكش تحتفي بجيل يقرأ… وتكتب فصلا جديدا في عرس المعرفة والتميز العربي

عبد الرزاق القاروني
ترأس عبد اللطيف شوقي، مدير الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة مراكش-آسفي، إلى جانب محمد بلقرشي، المدير المساعد، ورئيس قسم الشؤون التربوية بالأكاديمية، وخديجة بوحراشي، نائبة رئيسة المجلس الجماعي لمدينة مراكش، وموحى أيت ملوك، المدير الإقليمي بمراكش، خلال الأيام الماضية، فعاليات الحفل الجهوي، لتتويج الفائزات والفائزين في النسخة العاشرة من “تحدي القراءة العربي”، والنسخة الثانية من “المشروع الوطني للقراءة”، وذلك بمقر الأكاديمية الجهوية.
وشهد هذا الموعد التربوي والثقافي، حضورا وازنا ضم ممثلي اللجنة التقنية لمشروع “مراكش مدينة التعلم”، ورؤساء الأقسام والمصالح بالأكاديمية والمديريات الإقليمية التابعة لها، إضافة إلى عدد من الأطر الإدارية والتربوية، والفرق المشرفة على البرنامج، والتلميذات والتلاميذ المتوجين وأسرهم، إلى جانب فعاليات من المجتمع المدني، وممثلي وسائل الإعلام الوطنية والجهوية.
ولم يكن الحفل مجرد مناسبة بروتوكولية لتوزيع الجوائز، بل بدا أشبه بعرس ثقافي كبير، احتفت فيه الجهة بجيل اختار أن يصادق الكتاب في زمن تسرق فيه الشاشات أعمار الكثيرين، جيل جعل من القراءة جسرا نحو الوعي، ومن المعرفة طريقا للتميز والإبداع، في صورة عكست المكانة المتقدمة، التي باتت تحتلها جهة مراكش- آسفي وطنيا ضمن مشروع “تحدي القراءة العربي” و”المشروع الوطني للقراءة”.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد مدير الأكاديمية أن القراءة، لم تعد نشاطا موازيا أو ترفا تربويا، بل أصبحت مشروعا حضاريا واستثمارا حقيقيا في الإنسان، مبرزا أن الأكاديمية جعلت من ترسيخ ثقافة القراءة خيارا استراتيجيا منسجما مع أهداف خارطة الطريق 2022-2026، التي تضع المتعلمة والمتعلم في صلب الإصلاح التربوي، وتسعى إلى بناء شخصية متوازنة، مبدعة، ومنفتحة على محيطها الثقافي والإنساني.
وأوضح المسؤول التربوي أن جهة مراكش- آسفي سجلت خلال هذه الدورة أرقاما لافتة، بعدما تجاوز عدد المشاركات والمشاركين مليونا وسبعة عشر ألف تلميذة وتلميذ، فيما فاق عدد من قرؤوا خمسين كتابا وأكثر مائة ألف قارئة وقارئ، في مؤشر يعكس الدينامية الثقافية المتنامية داخل المؤسسات التعليمية بالجهة، ويؤكد أن بذور القراءة، بدأت تجد لها تربة خصبة وسط الناشئة.
وأضاف أن الجهة أصبحت، خلال السنوات الأخيرة، الوحيدة وطنيا التي حافظت بشكل مستمر، على حضور قوي ضمن قائمة العشرة الأوائل وطنيا، بممثلين اثنين على الأقل في كل دورة، إلى جانب حضور مشرف لفئة ذوي الهمم، وهو ما اعتبره ثمرة تعبئة جماعية وإيمان عميق بأن الاستثمار في القراءة هو استثمار في المستقبل ذاته.
وعرف الحفل تتويج التلميذة المتألقة خديجة بومليك، عن المديرية الإقليمية بالرحامنة، بعد فوزها بلقب النسخة العاشرة وطنيا، لتمثل المملكة المغربية في النهائيات العربية بمدينة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، كما جرى تتويج التلميذ يحيى حيمود، عن المديرية نفسها، بعد إحرازه الرتبة الثالثة وطنيا ضمن فئة ذوي الهمم.
كما تألق التلميذ معاذ إيزان، عن المديرية الإقليمية بالحوز، بعدما حصد الرتبة الأولى وطنيا ضمن الفئة الأولى في بُعد “التلميذ المثقف” بالمشروع الوطني للقراءة، فيما نالت الأستاذة ماريا بونيت، عن المديرية ذاتها، الرتبة الثالثة وطنيا في صنف “الأستاذ المثقف”، في مشهد جسد قيم الإنصاف وتكافؤ الفرص، وأكد أن التميز الحقيقي لا تعرقله الجغرافيا ولا الظروف، حين تتوفر الإرادة والدعم والرعاية.
ولأن القراءة ليست أرقاما فقط، بل حكايات إنسانية أيضا، فقد شهد الحفل لحظات مؤثرة، خاصة خلال الكلمة، التي ألقتها التلميذة ريم البيض، ابنة مدينة اليوسفية وإحدى سفيرات “تحدي القراءة العربي”، حيث تحدثت بصدق وعفوية باسم جيل كامل وجد في الكتاب، نافذة نحو عالم أوسع، مؤكدة أن التحدي، لم يكن مجرد منافسة عابرة، بل رحلة لبناء الذات وصناعة الإنسان.
وقالت ريم، في كلمة نالت إعجاب الحاضرين، إن القراءة لا تمنح المعلومات فقط، بل تمنح الإنسان حياة أوسع، وروحا أكثر اتزانا، ونظرة أعمق إلى العالم، معتبرة أن جهة مراكش-آسفي استطاعت، على امتداد عشر سنوات، أن تحول حضورها داخل هذا المشروع الثقافي العربي إلى حضور استثنائي ومتجدد، حتى غدت اسما ثابتا في منصات التميز الوطني والعربي.
ولم تخل فقرات هذا العرس الثقافي من نفحات الفن والإبداع، حيث أبدع الكورال التلاميذي لمؤسسة محمد الغزواني للتفتح والتربية والتكوين بمراكش، في تقديم لوحات موسيقية راقية، امتزجت فيها براءة الأصوات بجمالية الرسائل التربوية والإنسانية، فلامست وجدان الحاضرين وخلفت أصداء جميلة داخل القاعة.
كما تألق تلميذات وتلاميذ مدرسة واد الحجر بضواحي مراكش، في تقديم عرض مسرحي متميز بعنوان “حديث الرفوف”، وهو عمل فني، حمل دلالات عميقة حول قيمة الكتاب والقراءة، وصاغ بأسلوب إبداعي مشاهد نابضة بالحياة، جسدت العلاقة الأزلية بين الإنسان والمعرفة، وسط تفاعل واستحسان كبيرين من طرف الحضور، الذين أشادوا بالمستوى الفني والتعبيري الرفيع الذي بصم عليه المشاركون.
وشهد الحفل، أيضا، تكريم عدد من الأطر التربوية والمؤسسات التعليمية، والفرق الإقليمية التي ساهمت في إنجاح هذا الورش الثقافي الكبير، اعترافا بالمجهودات التي تبذل لترسيخ حب القراءة، وخلق بيئة مدرسية محفزة على الإبداع والتميز.
وأكد المتدخلون، في كلمات متفرقة، أن النجاح المتواصل الذي تحققه جهة مراكش-آسفي في “تحدي القراءة العربي” لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة عمل جماعي وإيمان راسخ بأن بناء القارئ هو، في العمق، بناء لإنسان قادر على التفكير والإبداع والمساهمة في تنمية وطنه.
وفي ختام هذه الاحتفالية البهيجة، اختلطت مشاعر الفرح بالفخر، وسط إشادة واسعة بالمستوى التنظيمي للحفل، وبالرسالة الحضارية، التي بات يحملها مشروع “تحدي القراءة العربي”، الذي نجح في إعادة الاعتبار للكتاب داخل المدرسة المغربية، وفي غرس فكرة جميلة مفادها أن الأمم التي تقرأ… لا تموت أبدا.




