
ضربة قلم
كأن مراكش لم تعد تلك المدينة الحمراء التي كانت تُبهر السياح ببهجة ألوانها وعبق التوابل، بل صارت أقرب إلى فرن مشتعل في وجه أباطرة المال العام، وساحة قصاص مفتوحة لمن عبثوا بخزينة الشعب كما لو كانت دكانًا مفتوحًا بلا بوّاب. خرج الناس، نعم، خرجوا وهم يعضّون على خيبتهم المزمنة، صارخين في شوارعهم: “كفى! واش حتى فلوس الزفت بغيتو تسرقوها؟!”، وكأن هناك من اعتقد فعلاً أن الميزانيات مجرد لُعبة مونوبولي، من يلعب أكثر يربح دارًا في النخيل وڤيلا في الحوز وسيارة خدمة فوقها “كريمات” وأختها.
المدينة التي كانت ذات يوم تقاوم بالصوف والطين والحناء، اليوم تقاوم بشعارات تكشف أنّ الطنجرة فاضت، واللحم احترق، وما بقي في القدر سوى دخان الغبن والغباء السياسي. الكل يتحدث عن الفساد، عن “الشفارة” الذين صاروا ينامون في جناح الوزير ويستفيقون في حسابات سويسرية. إنهم أولئك الذين دخلوا الإدارات حفاة وأصبحوا بعد بضع سنوات من أصحاب الشركات والمناقصات والإعفاءات من الضرائب… لا لشيء سوى لأنهم يعرفون كلمة السر: “باركا من الشوشرة، راني ولد البلاد”.
الناس في مراكش لا يثورون لأنهم ملّوا من الوقوف في الطابور لشراء خبز بـ1.50 درهم، بل لأنهم بدأوا يتذوقون طعم الذل كلّ صباح مع فاتورة الكهرباء، الماء، الحليب، الكراء، والنفاق. حتى الهواء صار مشكوكًا في أمره، وربما هناك من سيطالب يومًا برسوم على التنفس لأن “الأوكسجين مدعوم من الدولة”. من كان يظن أن مراكش ستتحول إلى أرض احتجاج وأن الحشود ستهتف أمام “الولاية” كأنها أمام بوابة الجحيم؟ من كان يتخيل أن “باب دكالة” ستصبح نقطة انطلاق لثورة الأمعاء الفارغة والجيوب المخرومة، بدل أن تكون محطة للزوار والسياح وأبناء “الرباط” الذين يأتون آخر الأسبوع ليصوروا “فلوكات” الانستغرام ويعودوا إلى مكاتبهم المكيفة؟
مراكش لم تعد تضحك. ضحكتها صارت صفراء، تشبه ابتسامة المسؤول الذي يُطمئنك بأن الأمور تحت السيطرة بينما هو يعرف أن الحساب البنكي في طريقه للانفجار من شدّة التحويلات. والكارثة أن الساكنة لم تعد تثق لا في لغة الخشب، ولا في جوقة الوعود، ولا حتى في لجان التفتيش التي تصل بعد أن يُكنس الدليل وتُغسل الدماء بالماء والكلور.
الفساد يا سادة لم يعد سراً، بل صار ماركة مسجلة، شعارًا يُكتب بخطّ رفيع أسفل كل مشروع حكومي. الطريق الذي يُعبد يُعاد حفره بعد شهرين، الحديقة التي تُنجز في إطار مخطط أخضر تتحول إلى موقف سيارات، والميزانية التي تُرصد للتنمية تستقر في حساب أحدهم “خطأ إداري غير مقصود”، وتمرّ مرور الكرام.
المضحك – الموجع – أن المسؤولين لا يزالون يتحدثون عن “المرحلة الانتقالية” و”إصلاحات هيكلية”، وكأننا في فيلم “لورد أوف ذا رينغز” حيث الشر ينتظر بطله الأسطوري. لكن الواقع أن مراكش وساكنتها لم يعودوا يحتملون الانتظار، ولا الأساطير، ولا التماسيح ولا العفاريت. يريدون فقط شيئًا بسيطًا: أن تتوقف الدولة عن اعتبار المال العام “بْحالا ديال باها”، وأن يُحاكم الفاسد ولو كان اسمه يبدأ بـ”س” أو “م” أو حتى “سي الوزير “.
في النهاية، قد لا يهمّ إن كانت الاحتجاجات ستؤتي أُكلها، لكن يكفي أن تعرف أن شعبًا صبر لعقود قد بدأ يُخرج مخالبه، وأن النكتة لم تعد مضحكة. البلد يغلي، والحكومة تتعطر بـ”عطر الصبر”، والمواطن يصرخ من تحت الأنقاض: “راكوم كتسرقو فالشعب، آش بقى؟ دّيتو حتى النيف!”




