مراكش… حين ينهض التراث من ذاكرة الأجداد ليحكي قصة المغرب

محمد ناصر/ موفد ضربة قلم
ليست الدورة الخامسة والخمسون للمهرجان الوطني للفنون الشعبية، المنظمة بمدينة مراكش من 2 إلى 6 يوليوز 2026، مجرد موعد فني عابر، بل هي احتفاء كبير بالروح المغربية في أبهى تجلياتها، وعودة إلى الجذور التي صنعت هوية هذا البلد عبر قرون من التاريخ والتنوع الثقافي. تحت شعار “التراث غير المادي في حركة”، تتحول المدينة الحمراء إلى مسرح مفتوح تنبض فيه الذاكرة، وتستعيد فيه الفنون الشعبية مكانتها، باعتبارها لغة الأجداد التي ما زالت قادرة على مخاطبة الأجيال الجديدة.
وفي الفضاء التاريخي الساحر لقصر الباهية، حيث تتعانق روعة المعمار المغربي مع عبق التاريخ، يلتقي فنانون ومبدعون قدموا من مختلف جهات المملكة، ليقدموا لوحات فنية تنهل من عمق التراث المغربي الأصيل. إنها لحظات يتوقف فيها الزمن، ويترك المجال للإيقاعات القديمة كي تعود إلى الحياة، حاملة معها قصص القبائل، وذاكرة القرى، وأهازيج الأفراح، وأغاني الحصاد، وحكايات الصحراء والجبال والسهول.
اثنتا عشرة جهة مغربية ستكون حاضرة بكل خصوصياتها الثقافية، لتقدم فسيفساء من الفنون التي تشكل الهوية الوطنية في أبهى صورها. فمن أحواش القادم من سفوح الأطلس، إلى كناوة بإيقاعاتها الروحانية العميقة، ومن رقادة التي تختزل قوة الشرق المغربي واعتزازه بتراثه، إلى غيرها من الرقصات والأهازيج والفنون الشفوية التي تناقلها المغاربة جيلاً بعد جيل، سيجد الزائر نفسه أمام رحلة استثنائية، تعبر مختلف مناطق المملكة دون أن يغادر مدينة مراكش.
ولن تكون العروض مجرد رقصات أو مقطوعات موسيقية، بل شهادات حية على حضارة مغربية عريقة، استطاعت أن تحافظ على أصالتها رغم تغير الأزمنة. فكل إيقاع يحكي قصة، وكل حركة تحمل رمزية، وكل لباس تقليدي يعكس خصوصية بيئة وثقافة، وكل قصيدة شعبية تختزن جزءاً من الذاكرة الجماعية للمغاربة.
وسيكون الجمهور، في ختام هذه التظاهرة الثقافية الكبرى، على موعد مع ليلة استثنائية تتألق فيها الفنانة سعيدة شرف، إحدى أبرز الأصوات المغربية التي نجحت في المزج بين الأصالة والتجديد، حيث ستقدم عرضاً فنياً ينسجم مع روح المهرجان، ويشكل تحية وفاء لمسيرة فنية بصمت الأغنية المغربية، وجعلت من التراث الشعبي جسراً للتواصل مع مختلف الأجيال.
إن المهرجان الوطني للفنون الشعبية لا يقتصر على تقديم عروض فنية فحسب، بل يمثل فضاءً مفتوحاً للحوار بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والإبداع، وبين التراث والتنمية الثقافية. فهو متحف حي لا تعرض فيه القطع الأثرية خلف الزجاج، بل تتحرك فيه الثقافة أمام أعين الزوار، وترقص، وتغني، وتحكي، وتتنفس، في مشهد يؤكد أن التراث المغربي ليس ماضياً انتهى، وإنما إرث حي يتجدد باستمرار ويمنح المغرب إحدى أهم نقاط قوته الحضارية.




