دفاتر قضائية

مرحبا بك في مراكش… حقيبتك سرقناها سيدي!

ضربة قلم

في بلدٍ يستعدّ لتنظيم جزء من “كأس العالم 2030″، حيث تُعقد الاجتماعات تلو الأخرى، وتُعلّق الشعارات الرنانة من قبيل “مرحبا بالعالم”، وتُنفق الملايين على تهيئة الواجهة السياحية، وقع ما يُشبه “الهدف في مرمانا” دون حارس مرمى، بل دون خجل.

في قلب مراكش، جوهرة السياحة المغربية، حل سائح أجنبي يحمل من البراءة ما يكفي ليفتتح مغامرة استكشافية في رحاب المدينة الحمراء، دون أن يدري أن أول ما سيكتشفه ليس الأطلس ولا النقوش الأندلسية، بل الخفة الخارقة التي تُمارس داخل بعض وكالات الأسفار… لا على الورق، بل على الجيوب.

السائح، كأيّ زائر حسن النية، قصد وكالة سياحية طلبًا للخدمات التي تُسوق لنا في نشرات الأخبار بـ”جودة عالية”، وما إن جلس ليأخذ أنفاسه، حتى تبخرت حقيبته بطريقة لا يفسرها علم الفيزياء، ولا يبررها منطق السياحة، إلا إذا كنا بصدد “السياحة عبر المجهول”. الحقيبة، ويا للعجب، لم تكن تحتوي فقط على ملابس وواقٍ شمسي، بل على وثائقه الثبوتية ومحفظته المالية، أي باختصار: حياته كلها معبأة في حقيبة اختفت كما تختفي الوعود الانتخابية.

حين عبّر السائح عن غضبه، لم يأتِ بـ”مترجم غضب” بل كان صوته كافيًا ليفهم الجميع أنه على وشك قلب الطاولة. تدخلت الشرطة مشكورة، وبدأ التحقيق، ليتبين لاحقًا – عبر كاميرات المراقبة – أن المستخدمة داخل الوكالة قررت أن تستغل لحظة انشغال الزملاء والزوار، وتنفّذ ما يشبه تمرينًا عمليًا على “السرقة الصامتة”. بلطف القطط، وببرود الجليد، أمسكت بالحقيبة، ثم خبّأتها في حاوية نفايات كأنها تصرف عن بقايا غداء فاسد، لا عن ممتلكات سائح دولي.

الشرطة، التي وجدت نفسها أمام مشهد مأخوذ من سلسلة “كاميرا خفية ولكن بحقيبة حقيقية”، قامت بواجبها المهني، ووضعت المستخدمة تحت تدابير الحراسة النظرية. وبعد أن تم استكمال البحث التمهيدي، أحيلت المشتبه فيها على النيابة العامة، التي قررت بدورها إحالتها على سجن الأوداية، بتهمتي خيانة الأمانة والسرقة. أما السائح، فقد بقي يتأمل المشهد كمن شارك في “Escape Room” دون أن يشتري التذكرة.

ولأننا أمة لا تتعلم إلا بعد فوات الكارثة – هذا إن تعلمت أصلاً – فإن الحادثة مرّت مرور الكرام في أغلب المنابر، وكأنها واقعة فردية نادرة، وليست عرضًا مكرّرًا لحلقات التسيّب الذي ينخر بعض المؤسسات “السياحية” التي لا تمتّ للسياحة إلا باليافطة.

وفي ظل هذا الواقع، ونحن نعدّ العدة لاستقبال جماهير كأس العالم 2030، نخشى – لا قدّر الله – أن تتكرر مثل هذه الحوادث، وأن يجد بعض المشجعين أنفسهم ليس في مدرجات الملاعب بل في دهاليز مفاوضات مع رجال الشرطة والسفارات، بحثًا عن جوازات ضاعت في لحظة “تغافل إداري” أو “نشاط جانبي”.

نعم، نحن نطمح لإبهار العالم. ولكن للأسف، هناك دائمًا من يُصرّ على إبهارهم بنسخة محلية من فيلم سرقة سخيف، بدون سيناريو محبوك ولا إخراج احترافي، فقط جرعة من “قلة الترابي”، وبعض الخفة، وكثير من الغباء.

إننا لا نطلب الكثير، فقط نأمل أن تكون الحقائب آمنة، والابتسامات صادقة، والخدمات محترمة. أما السائح، فلا يطلب سوى أن يعيش تجربة لا تنتهي في مخفر الشرطة.
لكننا، كما يُقال، شعب يحبّ الضيافة… بشرط أن تكون الحقيبة في حضن الضيف، لا في حاوية النفايات خلف الوكالة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.