مرحبًا بالغُرباء: حين يُعامل مغاربة العالم كسُيّاح من الدرجة الثانية في وطنهم

ضربة قلم
في السنوات الأخيرة، بات من الملاحظ أن نسبة مهمة جدًا من مغاربة العالم يقررون قضاء عطلتهم الصيفية بأرض الوطن، رغم كل العراقيل، ورغم ما يسمعونه من شكاوى متكررة حول غلاء المعيشة، وارتفاع الأسعار، وازدحام الطرقات، وتدهور بعض الخدمات العمومية. قرار يبدو في ظاهره محكومًا بالحنين إلى الأهل والأرض، لكنه في باطنه يعكس مفارقة كبيرة: فهؤلاء القادمون من الخارج لا يعودون فقط من أجل العائلة، بل لأن شيئًا ما في هذه الأرض، رغم كل شيء، لا يزال يربطهم بها بعاطفة يصعب تفسيرها.
لكن حين يطأون أرض المغرب، يتبيّن لهم سريعًا أن حرارة الاستقبال لا تكفي وحدها لتبريد الغلاء. فالتمر والحليب في المطارات سرعان ما يتبخر أثرهما حين يصطدمون بالحقيقة المرة في محطات الوقود، وفي المتاجر، وفي الفنادق. أسعار البنزين تلتهب، وكأن الطريق إلى المدن والقرى المغربية تمرّ عبر صفيح مشتعل. والمطاعم لم تعد تعرف “ثمنًا شعبيًا”، بل صارت تقترب شيئًا فشيئًا من قائمة مطاعم باريس أو بروكسيل، دون أن تضمن لك ذات الجودة أو الخدمة.
الطامة الكبرى، في نظر الكثيرين منهم، هي ما يتعلق بالإقامة. ففي الوقت الذي يجد فيه السياح الأجانب عروضًا مغرية على الإنترنت، تشمل إقامات فاخرة بربع الثمن، وامتيازات بالجملة كخدمة النقل و”الكل شامل”، يصطدم المغاربة القادمون من الخارج بسياسات أسعار تمييزية، فيها كثير من الفجاجة. إذ لا يجد هؤلاء المغاربة، الذين غالبًا ما يحجزون بشكل فردي أو في اللحظات الأخيرة، إلا أسعارًا خيالية، أحيانًا تفوق تلك الموجهة للسوق الأوروبية، رغم أن دخلهم بالكاد يسمح لهم بتحمّل كل تلك النفقات. بل إن بعضهم يتساءل: هل يُعقل أن يُعتبر المغربي “سائحًا من الدرجة الثانية” في بلده؟
ولأن الأمر لا يتعلق بالفنادق فقط، فإن موجة الغلاء تمتد إلى الكراء الصيفي، حيث تتضاعف الأسعار في مدن مثل السعيدية وأكادير ومارتيل، لتصل إلى حدود لا يمكن تبريرها، سوى بطمع موسمي سرعان ما ينقضي بانقضاء شهري يوليوز وغشت. كثيرون منهم، خاصة ممن لديهم أطفال، يُضطرون إلى تقليص مدة إقامتهم أو تقسيمها على أقارب، تفاديًا لتكاليف لا تطاق. وحين يسألون عن السبب، يكون الجواب جاهزًا: “هادو راه مغاربة، غادي يجيوا ولو طارت معزة”.
وبينما تحرص السلطات على الترويج كل صيف لحملة “مرحبا”، فإن كثيرًا من مغاربة المهجر يبدؤون في التساؤل، بعد اليوم الأول أو الثاني من وصولهم، عن معنى هذه الكلمة. هل هو مجرد استقبال في الميناء والمطار؟ أم أن مرحبًا الحقيقية تعني سياسات ترحيبية تحترم جيوبهم، وتحفزهم فعلاً على المجيء؟ فالوطن ليس فقط ذلك الذي نُحب، بل الذي يُحسن استقبالنا، ويجعلنا نشعر بأننا أبناءه لا زبائنه المؤقتين.
ومع ذلك، يعودون كل صيف. يحملون الهدايا، ويزورون القبور، ويجتمعون في الأعراس، ويُنعشون الاقتصاد الوطني بتحويلاتهم وشرائهم وكرمهم المفرط أحيانًا. يعودون لأن شيئًا ما في لهجة السوق، وفي خبز الطاجين، وفي ضحكة الخالة، يربطهم بهذا البلد أكثر مما يربطهم بجوازات سفرهم الأجنبية. لكن هذا الحب، الذي يصبر على كل شيء، لا يجب أن يُفهم كقبول دائم بالإهانة.
فالذين يأتون اليوم رغم الغلاء، قد يقررون غدًا أن يغيروا الوجهة نحو بلدان تُحسن تقدير سواحها، وتُراعي قدرتهم الشرائية، وتستثمر في علاقات طويلة الأمد معهم. وما لم تراجع السياسة السياحية المغربية تعاملها مع هذه الفئة، وتكفّ عن اعتبارهم مجرد “بقرة حلوب”، فإن الخطر لن يكون في عدم قدومهم، بل في فقدان تلك العلاقة الشعورية التي كانت تجعلهم يأتون كل سنة، حتى لو كان كل شيء ضدهم.





https://shorturl.fm/as3Gp