الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسةمجتمع

مرشحو “بزز”: عندما تتحول الانتخابات إلى موسم لجمع التبرعات

ضربة قلم

في كل محطة انتخابية بالمغرب، يظهر إلى السطح صنف عجيب من الكائنات السياسية الموسمية، لا علاقة له بالنضال الحقيقي أو العمل الميداني الجاد، بل يتقن استغلال المواقع والمسؤوليات والصفات التي راكمها عبر بعض السنوات لخدمة مصالحه الشخصية، أكثر مما يوظفها لخدمة المواطنين.

إنه صنف من المرشحين الذين لا يترددون في استغلال كل مسؤولية سبق أن تقلدوها، سواء كانت مهنية أو اجتماعية أو تمثيلية، وتحويلها إلى رأسمال انتخابي ومصدر للمنافع الشخصية. مرشحو “بزز” بامتياز، أولئك الذين يدخلون المعركة الانتخابية، وهم يدركون قبل غيرهم، أن حظوظهم في الفوز أضعف من أن تُرى بالعين المجردة، وأن رصيدهم الشعبي لا يكاد يتجاوز دائرة الأقارب وبعض المعارف. بل إن بعضهم، يعجز عن جمع عدد محترم من الحضور في لقاء محلي محدود، لكنه لا يجد أي حرج في تقديم نفسه مرشحاً للأمة بأكملها.

ومع ذلك، يقررون خوض الانتخابات بكل حماس، ليس لأنهم يؤمنون بالديمقراطية، بل لأنهم يؤمنون بشيء آخر أكثر أهمية بالنسبة لهم: الفرصة.

هؤلاء لا ينظرون إلى الانتخابات باعتبارها وسيلة لخدمة المواطنين، بل يعتبرونها موسما اقتصاديا مفتوحا، أشبه بحصاد استثنائي، يجب استغلاله قبل أن ينتهي. وما إن يعلن عن اقتراب الاستحقاقات التشريعية، حتى تبدأ الحركة في الكواليس، فتتحول الهواتف إلى خلايا نحل، وتبدأ الزيارات واللقاءات والابتسامات العريضة، ليس مع المواطنين البسطاء، بل مع أصحاب الجاه والنفوذ والمال.

يحملون “الصينية” في قلوبهم قبل أيديهم، وينطلقون في جولات لا تهدأ بحثاً عن التمويل. يتحدثون عن الوطن حيناً، وعن الديمقراطية حيناً آخر، وعن ضرورة دعم الكفاءات الوطنية، حين تقتضي الحاجة ذلك. يزورون المسؤول الإداري، ويجالسون مدير الشركة، ويطرقون أبواب رجال الأعمال الذين اعتادوا رؤيتهم عند كل مناسبة، حتى صار ظهورهم مرتبطاً بالاستحقاقات أكثر من ارتباط الهلال ببداية رمضان. يوزعون الوعود بسخاء، ويرسمون خرائط لمستقبل سياسي باهر، بينما يدرك الجميع أن المشروع الوحيد المضمون النتائج، هو مشروع جمع الأموال قبل فتح صناديق الاقتراع.

العجيب أن بعض هؤلاء لا يخجلون حتى من الاعتراف، في جلساتهم الخاصة، بأنهم لا يملكون أي حظوظ حقيقية للفوز. يعرفون ذلك جيدا، ويعرفه المحيطون بهم أيضا، لكن ذلك لا يزعجهم مطلقا. فالمسألة بالنسبة إليهم، لا تتعلق بالمقعد البرلماني، بقدر ما تتعلق بالرحلة التي تسبق الوصول إليه.

إنهم يشبهون أولئك التجار الذين لا يهمهم فتح السوق، بقدر ما يهمهم ما يمكن جمعه قبل إغلاقه.

ومن الطرائف السياسية، أن بعض هؤلاء يبنون شهرتهم أصلاً على المتاجرة بمشاكل الناس. فتارة يتحدثون باسم الفقراء، وتارة باسم الشباب العاطل، ومرة باسم الدفاع عن البيئة، وأحياناً من خلال مواقع تمثيلية أو مهنية أو نقابية يفترض أن تكون مخصصة للدفاع عن الحقوق والمطالب المشروعة. ومرة باسم الأرامل والمطلقات والمتقاعدين وسكان الأحياء الهامشية. يحملون كل القضايا فوق أكتافهم، كما يحمل البائع المتجول سلعته، لكن الفرق أن البائع المتجول، يبيع شيئاً موجوداً فعلاً، بينما يبيع هؤلاء أوهاماً مؤقتة، تنتهي صلاحيتها مباشرة بعد إغلاق صناديق الاقتراع.

وبينما ينشغل المواطن الحقيقي بأسعار المعيشة، وفرص الشغل، والتعليم والصحة، يكون مرشح “بزز” منشغلا بأمر آخر تماما: كم جمع هذا الأسبوع؟ ومن وعده بالدعم؟ ومن أغلق الباب في وجهه؟ ومن لا يزال قابلا للاستثمار؟

أما حملته الانتخابية، فهي في الغالب مجرد غطاء لحركة مالية وعلاقاتية مكثفة، تسمح له بالظهور في كل مكان دفعة واحدة. تراه اليوم في المنبر الذي كان يهاجمه بالأمس، ويصافح الأشخاص الذين كان يتهمهم بكل النعوت قبل أسابيع، وكأن الذاكرة الجماعية للمواطنين تعاني عطلاً موسمياً. يوزع الوعود بلا حساب، ويرفع الشعارات إلى السماء، ويتحدث عن التغيير، وكأنه مكتشفه الأول، فيما لا تتوقف آلة الحساب داخل رأسه عن الاشتغال، ترصد المساهمات والوعود والداعمين المحتملين، وتحصي ما دخل وما سيخرج، وكأن الأمر يتعلق بإعداد حصيلة تجارية، لا ببرنامج انتخابي.

والغريب أيضاً أن بعض هؤلاء، يختفون فور انتهاء الانتخابات، سواء فازوا أو خسروا. فإن خسروا، عادوا إلى أنشطتهم المعتادة، وكأن الوطن لم يكن في حاجة إليهم أصلاً، وكأن خطاباتهم الرنانة حول الإصلاح والإنقاذ، كانت مجرد فاصل إعلاني طويل. وإن فازوا، وهو أمر يبقى مستبعداً بالنسبة إلى كثير منهم، أصيبوا فجأة بحساسية مفرطة تجاه المواطنين. فيتحول الهاتف إلى صندوق بريد صامت، وتتحول المكاتب إلى قلاع محصنة، ويصبح الوصول إليهم، يحتاج إلى وسطاء أكثر، مما يحتاجه الوصول إلى أصحاب القرار أنفسهم

إنهم أبناء مدرسة سياسية خاصة، يمكن اختصار برنامجها في جملة واحدة: “الاستثمار في الانتخابات، دون الاهتمام بالانتخابات”.

ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تسيء إلى العمل السياسي النبيل. فحين يرى المواطن هذا النوع من الممارسات، يبدأ في فقدان الثقة في المؤسسات وفي العملية الانتخابية برمتها، ويصبح مقتنعا بأن بعض المرشحين، لا يبحثون عن خدمة الوطن بقدر ما يبحثون عن خدمة أرصدتهم الخاصة.

السياسة في جوهرها رسالة ومسؤولية، لكنها عند البعض، تحولت إلى مشروع موسمي قصير الأمد، يفتح أبوابه مع اقتراب الاقتراع ويغلقها مباشرة بعد إعلان النتائج.

ويبقى السؤال قائما: كم من مرشح دخل الانتخابات بحثا عن أصوات المواطنين، وكم من مرشح دخلها بحثا عن جيوب الممولين؟

ذلك هو الفرق بين من يحمل برنامجا انتخابيا، ومن يحمل “الصينية” فقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.