مستشار جماعي و”فيزا شينغن”.. حين يتحول المنتخب إلى سمسار الأحلام الأوروبية!

ضربة قلم
في مدينة وزان الهادئة، التي اشتهرت يوماً بزيت الزيتون وعبق التصوف، قرر أحد أبنائها أن يضيف لمسة عصرية على المشهد المحلي… لمسة من “الابتكار الإداري” في مجال النصب على الراغبين في عبور القارة الأوروبية!
القصة باختصار – أو بالأحرى بإيجاز غير مخلّ – تبدأ مع مستشار جماعي من طراز خاص. الرجل، بدل أن ينشغل بهموم الدواوير، أو يتابع ملف الإنارة العمومية المعطلة منذ عهد الاستقلال، قرر أن يفتح وكالة غير رسمية لتسويق تأشيرات شينغن، بأسعار تفضيلية تتراوح بين ثلاثة وأربعة ملايين سنتيم، مع وعد بـ”المعالجة السريعة” و”علاقات خاصة” مع القنصليات الأوروبية!
المواطن الحالم… والمستشار الحالم أكثر!
الزبناء؟ شباب وشابات يائسون من الانتظار، وحالمون بصورة على “إنستغرام” أمام برج إيفل.
أما “المستشار”، فكان أكثرهم حلماً، إذ رأى في تلك الأحلام مصدراً للرزق السريع، وقرر أن يمارس الديمقراطية بطريقته الخاصة: “صوّتوا عليّ في الانتخابات، وأنا أتكفل بفيزا أوروبا!”.
لكن كما تقول الحكمة المغربية: “اللّي داها فراسو ما يشوفهاش فجيبو.”
فقد تقدمت إحدى الضحايا بشكاية رسمية إلى وكيل الملك بوزان، الذي لم يتأخر في إعطاء تعليماته الصارمة لعناصر الدرك الملكي. وبحرفية تليق بفيلم بوليسي، تم نصب كمين محكم للمستشار “المهاجر ذهنياً”، وضُبط متلبساً وهو يمد يده نحو المبلغ المالي، في انتظار أن تمد له أوروبا يدها الأخرى!
من الجماعة إلى الحراسة النظرية
الرجل الذي كان يُفترض أن يشارك في دورات الجماعة لتدارس ميزانية النظافة أو الماء الصالح للشرب، وجد نفسه يناقش ميزانية مختلفة تماماً… ثمن الفيزا الوهمية!
وقد تم وضعه تحت تدبير الحراسة النظرية رهن إشارة البحث، في انتظار أن يعرض على العدالة لتقرر مصيره، وربما تمنحه “فيزا” أخرى، لكن هذه المرة نحو زنزانة محلية بدل قارة أوروبية.
شينغن الفقر…
ما يثير السخرية في هذه الحكاية، ليس فقط وجود “مستشار جماعي” في قلب عملية نصب، بل المفارقة التي تختزل واقعاً مغربياً مريراً:
من يُفترض أن يُساعد المواطنين على تحسين أوضاعهم داخل البلاد، صار يبيعهم وهم الهروب منها!
إنه تلخيص مثالي لما يمكن أن نسميه: “سياسة الهجرة من الداخل.”
فبينما تبني الدولة طرقاً وموانئ ومدناً جديدة في الجنوب والشمال، ما زال البعض يؤمن بأن المستقبل يمر عبر مكتب “سمسار”، لا عبر ورش تنمية.
ومثل هذا “المستشار”، هناك العشرات في مدن أخرى، يبيعون الوهم في كل شيء: في الشغل، في السكن، في القروض، وحتى في الزواج أحياناً. فقط غيّر اسم “شينغن” وستجد القضية نفسها تتكرر!
بيننا وبين أوروبا… تأشيرة عقل
القصة في جوهرها لا تتعلق فقط بالنصب، بل بعقلية مجتمع أصبح فيه الاحتيال وسيلة مشروعة للنجاح، ما دام المحتال “عندو علاقات”!
فـ”المستشار” لم يخترع شيئاً، هو فقط مارس ما رآه يمارس حوله: وعود كاذبة، وشعارات براقة، وصفقات في الخفاء. الفرق الوحيد أنه لم يكن يملك الحصانة الكافية ليستمر في اللعبة.
خاتمة…
من وزان إلى وارسو، قد تختلف اللغات، لكن حلم الشباب واحد: حياة كريمة وفرصة حقيقية.
ومادام بعض المنتخبين يبيعون “شينغن” بأربعة ملايين، فربما آن الأوان لوزارة الداخلية أن تمنح تأشيرة من نوع آخر: تأشيرة خروج نهائي من الحياة السياسية لكل من جعل من الثقة الشعبية سلعةً في سوق الوهم.




