الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسة

مستقبل المغرب بين مطرقة الفساد وسندان الأصوات المشتراة

ضربة قلم

حين يصبح الحاضر غارقًا في فضائح الفساد، يصعب أن نحلم بمستقبل مشرق. المغرب اليوم يعيش مفارقة صارخة: بلد يطمح للإصلاح والتنمية، لكنه مكبل بشبكة من المصالح الضيقة التي جعلت الكثير من الجماعات المحلية أوكارًا للنهب بدل أن تكون أدوات لخدمة المواطن. عشرات الرؤساء الذين كان يفترض أن يحملوا هموم الناس، أصبحوا في قفص الاتهام، وبعضهم خلف القضبان، ليس لأنهم ضحايا مؤامرات كما يحاول البعض التبرير، بل لأنهم ببساطة اشتروا طريقهم إلى السلطة بأموال قذرة، فدخلوا السياسة من باب السوق لا من باب الخدمة العامة.

هذه الظاهرة ليست مجرد انحراف فردي، بل مرض بنيوي يُنذر بمستقبل مقلق. حين تُباع الأصوات في موسم الانتخابات، فإن العقد الاجتماعي كله يُباع معها. المواطن الذي يبيع صوته يصبح شريكًا غير مباشر في إنتاج فساد سيدفع ثمنه لاحقًا في الطرق المتصدعة، في المدارس المهترئة، في المستشفيات التي لا تشفي إلا من الوهم. والمرشح الذي يشتري طريقه إلى المنصب لا يرى في الجماعة سوى استثمار يجب استرجاعه مع أرباح مضاعفة، وكأنها صفقة عقارية وليست مسؤولية أخلاقية.

الأخطر من ذلك أن هذه الدوامة تعيد إنتاج نفسها في كل دورة انتخابية، لتصنع جيلًا كاملًا من الانتهازيين الذين يفهمون السياسة كآلية للاغتناء السريع. ومع كل فضيحة، ومع كل رئيس جماعة يسقط في قبضة القضاء، يتآكل ما تبقى من الثقة بين المواطن والدولة. الثقة التي هي العمود الفقري لأي مشروع تنموي تتحول إلى رماد، والمستقبل يصبح رهينة ماضٍ لم نتخلص من أوساخه بعد.

المغرب يملك إمكانيات هائلة، بشرية وطبيعية واقتصادية، لكن ما جدوى كل ذلك إذا كان الفساد يلتهم الجذور؟ لا يمكن الحديث عن تنمية أو عن أفق زاهر مادام صندوق الاقتراع يُحوَّل إلى مزاد علني، ومادامت السياسة تُدار بعقلية السوق السوداء. المستقبل لا يُبنى بالخطابات ولا بالمشاريع الورقية، بل بقطع شرايين الفساد التي تغذي هذا الواقع المريض. إن لم يتم اجتثاث هذه الثقافة من جذورها، فسنجد أنفسنا أمام بلد يركض في المكان نفسه، يستهلك شعارات الإصلاح بينما الواقع يسير في الاتجاه المعاكس.

الرهان اليوم ليس على الانتخابات القادمة ولا على الشعارات البراقة، بل على وعي جماعي يرفض بيع صوته، يرفض أن يُدار مصيره بمال فاسد. لأن الحاضر الذي يشهد سقوط هذا الكم من الرؤساء الفاسدين لا يمكن أن يبشر بخير إلا إذا كان بداية لصحوة حقيقية، صحوة تقول بوضوح: لا مستقبل لمغرب تُشترى فيه الإرادة الشعبية، ولا نهضة مع سياسة تُدار بميزان السوق بدل ميزان الأخلاق والمسؤولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.