مستقبل صندوق المقاصة والدعم الاجتماعي المباشر في المغرب

ضربة قلم
منذ إطلاق برنامج الدعم الاجتماعي المباشر في أواخر سنة 2023، دخل المغرب مرحلة جديدة في سياساته الاجتماعية، قوامها الانتقال التدريجي من نظام المقاصة التقليدي إلى منظومة أكثر استهدافًا ودقة. هذه النقلة لم تأتِ من فراغ، بل جاءت نتيجة تراكم نقاشات لسنوات طويلة حول كلفة المقاصة وعدم عدالتها الاجتماعية، إذ كانت تستنزف مليارات الدراهم سنويًا دون أن يصل أثرها بشكل عادل إلى الفئات الأكثر هشاشة.
من المقاصة إلى الدعم المباشر
لطالما شكّل صندوق المقاصة مظلة لحماية القدرة الشرائية عبر دعم أسعار مواد أساسية كالسكر والدقيق وغاز البوتان. غير أن هذا الدعم كان يستفيد منه الفقير والغني على حد سواء، مما جعله أداة غير منصفة. لذلك، اتجهت الدولة إلى بناء سجل اجتماعي موحّد يُمكّن من تحديد الأسر المستحقة بدقة، تمهيدًا لتعويض الدعم العشوائي بدعم مباشر يصل إلى الجيب بدل السلعة.
اليوم، يُعتبر الدعم المباشر أحد أكبر أوراش العدالة الاجتماعية في المغرب. ملايين الأسر تستفيد من تحويلات مالية شهرية تختلف بحسب وضعيتها: أسر معوزة، أمهات حديثات الولادة، أطفال في سن التمدرس، مسنّون في وضع هش، وأرامل. الهدف المعلن هو تخفيف الفوارق وتعزيز صمود الأسر في مواجهة غلاء المعيشة.
إصلاح تدريجي لا صدمة فجائية
المغرب لم يلجأ إلى إلغاء المقاصة دفعة واحدة، بل اختار التدرج. فكلما توسع نطاق الدعم المباشر ارتفعت إمكانية تقليص دعم المقاصة، في توازن يروم حماية القدرة الشرائية وتفادي الاحتقان الاجتماعي. هذا التدرج يسمح بإعادة توجيه الأموال المرصودة للمقاصة نحو برامج الدعم المباشر، مع ضمان انتقال سلس لا يضر بالطبقات المتوسطة والهشة.
التحديات الكبرى
رغم الطابع الطموح للمشروع، يظل مطوقًا بجملة من التحديات:
-
الاستدامة المالية: كلفة البرنامج مرشحة للارتفاع مع اتساع قاعدة المستفيدين، ما يفرض على الدولة البحث عن موارد إضافية أو تحسين نجاعة الإنفاق العمومي.
-
الحكامة والشفافية: نجاح السجل الاجتماعي الموحد في فرز المستفيدين بدقة هو الشرط الأول لنجاح التجربة، وإلا سيعاد إنتاج نفس اختلالات المقاصة.
-
الطبقة المتوسطة: التركيز على الفئات الأكثر هشاشة قد يترك الطبقة المتوسطة عرضة لغلاء الأسعار بعد رفع المقاصة، ما يستدعي التفكير في آليات مواكبة خاصة بها.
-
الثقة المجتمعية: البرامج الاجتماعية لا تُقاس فقط بالأرقام، بل بمدى شعور المواطنين بالإنصاف. فالتجربة تحتاج إلى تواصل فعّال يوضح الأهداف والنتائج ويُطمئن الرأي العام.
رهانات المستقبل
المغرب يقف اليوم أمام رهان تاريخي: هل سينجح في تحويل الدعم الاجتماعي إلى أداة للعدالة والإنصاف، أم أن التجربة ستتوقف عند حدود التدابير التقنية؟ المستقبل القريب سيكشف إن كان الدعم المباشر قادرًا على أن يصبح بديلًا فعّالًا لصندوق المقاصة، دون أن يُعمّق فجوة التفاوتات أو يُثقل كاهل ميزانية الدولة.




