الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

مشاعر بنكهة صناعية: لا حب صافي ولا كره نقي ولا تسامح مجاني

م-ص

الحب بصدق؟ يا لها من نكتة عظيمة تصلح لمقلب رومانسي في زمنٍ لم يعد فيه حتى السكر يُعبَّر عنه دون مواد حافظة! دعونا نكن صريحين- نحن نحب لأننا نحتاج، ونكره لأننا خُذِلنا، ونتسامح- إن تسامحنا – فإما لأننا نسينا أم لأننا تعبنا. أما هذا “الصدق” المُلصق على علب المشاعر فهو على الأرجح مجرد ملح زائد على طبقٍ فاسد، يغطي رائحته ولا يُصلحه.

الحب حين يكون بصدق، لا يُكتب في رسائل ولا يُهدى في صناديق على شكل قلوب. الحب الصادق لا يتكلم كثيرًا، لا يوزع صورًا في إنستغرام، ولا يطلب تصريحًا رسميًا من الأصدقاء. إنه شيء يشبه تنفسك دون أن تنتبه، يشبه كوب الماء حين تعطش ولا تجد مَن يصوره لك قبل أن تشربه. لكنه نادر، تمامًا كنقاء الهواء في وسط المدينة. الحب بصدق هو ذاك الذي لا تعرفه إلا حين يرحل صاحبه، لأن كل من يبقى، يخلط قليلاً من الحب مع كثير من التوقعات، وبعض الأنانية، ونكهة خفيفة من السيطرة المبطّنة بحنان مزيف.

أما الكره بصدق؟ يا للروعة! الكره صادق أكثر من الحب في معظم الأحيان. لأن الكاره لا يتصنع، لا يتجمّل، لا يقول لك “صباح الخير” وهو يفكر في زرع مسمار تحت عجلتك. الكاره الصادق يُريحك، تعرف موقعه من أول نظرة. لا يُلبس مشاعره ملابس العيد، بل يخرج بها كما هي، بنعل قديم، ونظرة حادة، ولسان لا يرحم. الكره الصادق في زمننا نادر أيضًا، لأن الناس صارت تجيد فنون الابتسامة في وجهك، والطعن في ظهرك بأدق الأسلحة النفسية. صار الكره لعبة مخملية، مغلفة بالنفاق، مدهونة بالديبلوماسية. أما من يكرهك بصدق؟ فأشكره، قبّله إن شئت، لأنه على الأقل لم يجعلك تضيع في التفسير.

والآن دعونا نصل إلى التسامح بصدق. هه! هل هناك شيء أكثر سذاجة من هذا المفهوم حين يُستهلك بلا وعي؟ من منّا لا تسامح مرة، واثنين، وثلاثة، ثم فجأة يجد نفسه يسامح نفسه لأنه كان “مغفلاً نبيلًا” لا أكثر؟ التسامح الجميل، الذي يتحدثون عنه في الخطب، هو ذلك الذي لا يوجع صاحبه، ولا يُستخدم ضده، ولا يُفسر ضعفًا. لكنه أيضًا من الأنواع المهددة بالانقراض. لأن البشر حين يجدون من يسامحهم، يمارسون معه رياضة الركوب، ويتفننون في اختبار سعة صدره، كأنهم يملكون جهازًا يقيس كم بقي له قبل أن ينفجر. التسامح بصدق يشبه إعطاء مفتاح بيتك لمن سرقك، مع ابتسامة وعبارة “يمكنك الدخول مرة أخرى، فقط لا تزعج الجيران هذه المرة”.

نحن لا نحب بصدق كما نزعم، ولا نكره بصدق كما ندّعي، ولا نتسامح بصدق كما نحلم. نحن فقط نحاول… نحاول أن نبدو متزنين في عالم اختلّ توازنه منذ أصبح الحب شيفرة في محادثة، والكره تعليقًا ساخرًا، والتسامح “ستوري” مزخرفًا بأغنية باكية. نحن نعيش في عصر تم فيه تحويل أعمق المشاعر إلى ملصقات، نضعها أو نزيلها حسب المزاج، أو حسب عدد “الإعجابات”.

في النهاية، إن أردت أن تحب، فلا تقل “بصدق”. فقط أحب… وأرجوك لا توثق الأمر بمنشور. وإن كرهت، فكن واضحًا – فالصراحة أصبحت فضيلة نادرة. وإن سامحت، فافعل ذلك من أجل نفسك، لا من أجل من سيُكرر ذات الخطيئة في أول فرصة. دعنا لا نرفع شعار الصدق في مشاعر لا نملك ترويضها. نحن لسنا ملائكة، ولسنا شياطين. نحن بشر… نكذب حتى حين نقول: “أنا صادق”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.