مشاهد الحياة: بين الصحة والحرية والجوع والمال

ضربة قلم
حين تمر من أمام باب مستشفى أو عيادة، تشعر فجأة أن الصحة ليست مجرد كلمة على لسان الناس، بل هي رأس المال الحقيقي الذي لا يعرف قيمته إلا من عانى من وجع أو مرض. ترى المئات يدخلون ويخرجون، بعضهم يلهث خلف الأمل في الشفاء، وآخرون يحملون أعينهم حزناً على أحبائهم. في هذه اللحظة تدرك أن المال، مهما كان وفيرًا، لا يشتري دقيقة صحة واحدة، وأن الحياة لا تُقدّر إلا حين تغيب عنها السلامة.
وحين تمر من قرب سجن، وتلمح الزحام الذي لا يهدأ من الزائرين، تعرف فجأة قيمة الحرية. ترى الأهل والأصدقاء يحاولون الاقتراب، يمدون أيديهم من وراء القضبان، ويحملون الملابس وكلمات الحب، فتشعر بالامتنان لكل نفس تتنفسه بلا قيود. الحرية ليست مجرد شعار على لافتة، إنها شعور داخلي يملأ القلب قبل أن تملأه الأقدام.
وحين تمر من أمام مسجد، تأمل في المصلين المتواضعين، فتتمنى أن تكون كل القلوب بيضاء، خالية من الحقد والضغائن. ترى كبار السن، الأطفال، والشباب جميعهم متساوين أمام الله، وتتأمل بساطة السعادة حين يكون الإنسان متصالحًا مع نفسه ومع الآخرين. لكنك تبتسم قليلًا في سرّك، مدركًا أن الصفاء الروحي لا يملأ كل القلوب، وأن بعض النفوس تختبئ خلف الطقوس، فليست كل الابتسامات أو الركعات علامة على النبل، كما أن ليس كل ظاهر قدسيّة يحمل داخله نقاء. فتتمنى أن ينتقل الخير الحقيقي من هذا المكان المبارك إلى كل بيت وشارع، مع قليل من الحذر والذكاء في التمييز بين الظاهر والباطن.
أما حين تطل على حانة في شارع هادئ، فتتساءل كيف يعيش الآخرون خارج دائرة القانون، وكيف تتعدد العادات والتقاليد في مجتمع واحد. ترى أن القانون المغربي يمنع بيع الخمور للمسلمين، فتضحك بصمت على تناقضات الحياة، وعلى تنوع الأذواق الإنسانية، وتدرك أن المظاهر لا تحكم على الجوهر، وأن الاختلاف جزء من هذه الحياة المعقدة.
وأخيرًا، إذا زرت المحلات التجارية المختصة في بيع الماركات الموقعة، فتتساءل عن مصدر هذا المال، عن ساعات العمل التي تكمن وراء كل حقيبة أو حذاء أو ساعة باهظة الثمن. ترى الناس يخرجون بفرح من المحلات، وأنت تتساءل: كيف جمع البعض ثروة تسمح لهم بشراء ما لا يحتاجون إليه حقًا، بينما يظل كثيرون يحلمون ببساطة الحصول على أساسيات الحياة؟ وهنا، تختلط مشاعر الدهشة بالحيرة، فتدرك أن العالم متنوع، وأن الحياة مزيج من الرغبات والاحتياجات، من الحظ والفقر، من الصحة والمرض، ومن الحرية والقيد.




