الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

مغاربة العالم بين المواطنة والانكسار: الحقوق تتحوّل  إلى ورق في جيوب مهملة

ضربة قلم

ليس من المبالغة القول إن مغاربة العالم يشكّلون امتدادًا حيًّا لوطنهم الأم، قوة بشرية واقتصادية وروحية لا غنى عنها، تُساهم بشكل كبير في دعم الاقتصاد الوطني عبر تحويلاتهم المالية، وفي إشعاع صورة المغرب خارج حدوده، وفي حمل القيم والثقافة إلى بقاع متعددة من الأرض. لكن هذه الصورة المشرقة لا تحجب، للأسف، واقعًا مُظلِمًا عايشه ويعيشه العديد من أفراد الجالية المغربية، حيث وجدوا أنفسهم ضحايا لخرق القانون، وسوء المعاملة، والتجاهل من قبل مؤسسات يفترض أنها وجدت لحمايتهم.
في بعض الحالات، كان الوطن الأم هو ساحة الانكسار، حين دخل مغاربة من حملة جنسيات أجنبية أرض المغرب، ظنًا منهم أن الهوية الأصلية تمنحهم حصانة أخلاقية أو قانونية، فإذا بهم يصطدمون بجدار المعاملة البيروقراطية، وأحيانًا بما هو أخطر: التوقيفات العشوائية، أو الاحتجاز في ظروف غير إنسانية، أو حتى الوفاة الغامضة في مراكز الأمن كما راج في بعض الشكايات، دون أن تجد أسرهم تفسيرًا مقنعًا لما جرى.
في حالات أخرى، وقعت المأساة خارج الوطن، في دول الاغتراب التي منحتهم جنسية جديدة، لكنها لم تحمِهم من التمييز أو التهم الجاهزة. هناك مغاربة سُجنوا ظلمًا، وآخرون ماتوا في ظروف مريبة دون أن يتحرك القضاء بما يكفي لكشف الحقيقة. وهناك من خاضوا معارك قانونية ضد دول الإقامة، أو حتى ضد الدولة المغربية نفسها، حين شعروا أنها تخلّت عنهم في لحظات الحاجة، وأن تمثيلياتها بالخارج صارت تُدار بمنطق “سِرْ الله يعاونك”.
وقد كانت هناك حالات نادرة انفجرت إعلاميًا بعد أن رفعت أسر الضحايا دعاوى في المحاكم الأمريكية أو الأوروبية، تتهم فيها جهات مغربية بتعذيب أبنائها أو التسبب في وفاتهم. وفي بعض القضايا، أصدرت المحاكم أحكامًا مالية كبيرة ضد الدولة المغربية، إما رمزيًا أو كنوع من الإدانة المعنوية، رغم صعوبة تنفيذ هذه الأحكام في الواقع العملي.
ما يزيد المشهد تعقيدًا هو الصمت الذي يلفّ بعض الملفات، وكأن الأمر لا يستحق التتبع أو المطالبة بالعدالة. تغيب البلاغات الرسمية، ويصمت الإعلام الرسمي، ويُترك الرأي العام يتخبط بين الإشاعة والارتباك. وكأن قدر مغاربة الخارج أن يُحتفى بهم فقط في الصيف، على مداخل الموانئ والمطارات، ثم يُنسَوا حتى إشعار آخر.
المفارقة العجيبة أن المغرب يحتل مكانة متقدمة في دول الاستقبال من حيث عدد الجالية، وأن أبناء هذه الجالية أنفسهم يبرزون في مناصب حساسة ومرموقة، من الأطباء إلى القضاة إلى السياسيين. لكن حين يقع أحدهم في المحنة، تتحوّل الهوية المغربية إلى عبء بدل أن تكون حماية، وتُختزل “مواطنة الخارج” في مجرد رقم على جواز سفر مزدوج.
مغاربة العالم لا يريدون امتيازات خاصة، بل فقط معاملة عادلة حين يعودون إلى وطنهم، أو حين يطلبون حماية قنصلية في لحظة خطر. يريدون أن يشعروا أن بلدهم الأصلي لا يتخلى عنهم إذا داهمهم الظلم. يريدون أن تكون عبارة “مغربي أينما حلّ وارتحل” فعلًا لا شعارًا يُردد في نشرة المساء.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.