مغارة الميزانيات: علي بابا ورباعتو يسرقون في وضح النهار!

ضربة قلم
في مغرب اليوم، لم يعد “علي بابا” مجرد شخصية من حكايات ألف ليلة وليلة، بل صار رمزًا حديثًا لنسخة مغربية من النهب المنظم والمُقنّن، حين يتحوّل المال العام إلى غنيمة تتقاسمها القبيلة، لا حسب الكفاءة أو الاستحقاق، بل حسب درجة القرب من “الدار الكبيرة”. فالمشاريع التنموية في بعض المدن الصغيرة والمتوسطة ليست سوى واجهات تزيينية لما يشبه “حفلات توزيع الغنائم” بين منتخبين ومقاولين و”فاعلين” لا يعرفون من الفعل إلا فعل القسمة والمشاركة في الصمت.
العقل المدبّر لهذا السيناريو دائمًا ما يكون شخصًا يتقن التمويه، مرةً هو “رجل أعمال ناجح”، ومرة “كاري حنكو”، وأحيانًا يتحول إلى “الابن البار للمدينة”، لكنه في الحقيقة مجرد وسيط ذكي بين المال العام وجيوب خاصة. يتحرك في صمت، ويعرف متى يبتسم في الصور الجماعية، ومتى يختفي إذا بدأ الناس يطرحون الأسئلة. ومن حوله رباعتو، عصبة تعرف من أين تؤكل الكتف، كيف تُعد ملفات الصفقات، وكيف تُدار الحملات الانتخابية، وكيف تُسكَّت الأصوات الغاضبة قبل أن ترتفع.
التمويه يبدأ بالمجسمات، والمشاريع الورقية، والتصريحات الرنانة. شوارع ستُعبَّد، ملاعب ستُنجَز، أسواق نموذجية سترى النور، ومراكز سوسيو-ثقافية ستغيّر وجه المدينة. لكن الحقيقة تكون شيئًا آخر: الشوارع تُرصّف كما تُرصّف قبور الغرباء، والملاعب تغيب عنها الكرة، والأسواق تُشيَّد لتُغلق، والمراكز تُفتَح ليزورها فقط وفد التدشين. أما المواطن، فله الحق في الحيرة فقط، في انتظار أن تُعاد نفس المسرحية بممثلين جدد، لكن بنفس السيناريو.
في هذه البيئة، لا صوت يعلو فوق صوت “المصلحة المشتركة”. الموظف الذي يرفض التوقيع يُنقل، الصحافي الذي يكتب يُقاطع، والناشط الذي يصرخ يُشيطن. أما الإدارات، فتصير مجرد طوابق من الصمت المُنمّق، تارة باسم القانون، وتارة باسم “الإجراءات”.
القبيلة هنا ليست بالضرورة من نفس النسب أو الدم، بل هي تحالفات ظرفية، تجمّعها مصلحة عابرة، ويفرقها اختلاف في قسمة الكعكة. هي تحالفات بين السياسي والمقاول، بين الموظف السامي و”الجمعوي”، بين صاحب النفوذ وصاحب الحيلة. والويل لمن يقترب من المغارة دون دعوة، فالتهم جاهزة: متمرد، حاقد، أو ببساطة… غير منسجم.
لكن المغاربة، ورغم طول الصبر، لا يفقدون الحدس. يعرفون أن المشاريع لا تنهار وحدها، بل وراءها من خطّط ليس للمنفعة العامة، بل للربح الخاص. وأن الأحياء التي تفيض بمياه الأمطار ليست ضحية السماء، بل ضحية جيوب تسربت إليها ميزانيات القنوات والرصيف. وأن من يصرخون الآن في وجه الفساد، قد يتحوّلون غدًا إلى جزء من الرباعة، ما إن تُفتَح لهم أبواب المغارة.
ومع ذلك، تبقى بارقة الأمل في وعي يتراكم، وفي أصوات ترفض أن تصمت، وفي جيل لا يريد أن يرث مغارة منهوبة، بل وطنا عادلا. فـ”علي بابا” قد يتكرر، لكن نهايته ليست حتمًا كما يشتهي.




