الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعسياسة

مغربنا يُربك الكراغلة والحاسدين: مسيرة أمة تُزعج المتخلفين وتوقظ المرضى من أوهامهم

ضربة قلم

ليس من السهل أن تكون ناجحًا، في محيط يعتاد على الأعذار، أكثر مما يعتاد على الإنجاز. وليس من الهيّن أن تشق طريقك بثبات، بينما عيون كثيرة تراقبك لا لتتعلم منك، بل لتبحث عن ثغرة تُسقطك. تلك هي قصة المغرب اليوم: بلد يمشي بخطى واثقة، وقافلة تمضي دون أن تلتفت كثيرًا إلى النباح الذي يتعالى، كلما ارتفع منسوب النجاح.

المغرب، ببساطة، لم يعد ذلك البلد، الذي يُختزل في الصور النمطية القديمة. لقد دخل مرحلة جديدة، مرحلة الفعل بدل القول، ومرحلة البناء بدل الشكوى. فمن طنجة إلى الكويرة، هناك دينامية حقيقية تُترجم على الأرض: طرق سيارة تمتد كالشرايين، موانئ تُنافس عالميًا، مطارات حديثة، ومدن جديدة، تُبنى بعقلية القرن الواحد والعشرين، لا بعقلية ترقيع الماضي.

ولعل ما يثير الحنق أكثر لدى الجيران ومعهم الحاقدين، ليس فقط هذه المشاريع، بل الجرأة في تحقيق الحلم. حين يتحدث المغرب عن ناطحات سحاب، عن مدن ذكية، عن استثمارات ضخمة، عن ملاعب رياضية قل مثيلها في الجوار وفي محيط الحاقدين الجدد، فإن الأمر لا يُقابل فقط بالاستغراب، بل بالانزعاج لدى من اعتادوا رؤية أنفسهم في موقع “المتفوق”. فجأة، يظهر بلد من شمال إفريقيا ليقول: نحن هنا، وسنكون حيث يجب أن نكون.

بعض الشعوب، مع كامل الأسف، لم تستوعب بعد أن العالم تغيّر. لم تستوعب أن التفوق لا يُورث، وأن من لا يشتغل، يبقى أسير مكانه، ولو امتلك كل الشعارات. ولهذا، عندما يرون المغرب يتقدم، يُصابون بحالة من الارتباك الوجودي: كيف لبلد كنا نعتقد أنه “أقل” أن يسبقنا؟ كيف له أن يحقق ما لم نحققه رغم كل ما ندّعيه؟

وهنا، يتحول هذا الارتباك إلى حسد، والحسد إلى خطاب عدائي، وأحيانًا إلى حملات منظمة للتبخيس والتشكيك. نسمع من هناك من يسخر من مشاريع المغرب، ومن يقلل من إنجازاته، ومن يروج لخطاب سوداوي لا علاقة له بالواقع. لكن الحقيقة، التي لا يمكن إخفاؤها، هي أن الأرقام تتحدث، والمشاريع قائمة، والنتائج ملموسة.

خذوا فقط مثال الرياضة، وتحديدًا ما تحقق في كأس العالم 2022. لم يكن وصول المنتخب المغربي إلى نصف النهائي، مجرد إنجاز رياضي عابر، بل كان زلزالًا رمزيًا في الوعي الجماعي. لقد كسر المغرب سقف التوقعات، وغيّر نظرة العالم إلى الكرة الإفريقية والعربية. لكن، وفي المقابل، كشف أيضًا عن حجم الغصة لدى البعض، الذين لم يتحملوا رؤية الراية المغربية، ترفرف عاليًا.

ذلك الإنجاز لم يكن صدفة، بل نتيجة عمل طويل، تخطيط، واستثمار في الإنسان. وهو نفس المنطق الذي يُحكم باقي القطاعات: من الصناعة إلى الفلاحة، من السياحة إلى الطاقات المتجددة. المغرب لا يتحرك بعشوائية، بل وفق رؤية واضحة، تُراكم الإنجازات وتُصحح الأخطاء.

نعم، نحن نناقش مشاكلنا. ننتقد، نختلف، نطالب بالمزيد. وهذه علامة صحة، لا علامة ضعف. لأن الدول الحية هي التي تفتح نقاشًا داخليًا صريحًا، لا التي تُخفي أزماتها خلف شعارات جوفاء. في المغرب، هناك وعي جماعي بأن الطريق لا يزال طويلًا، وأن التحديات قائمة، من بطالة إلى تفاوتات اجتماعية، لكن هناك أيضًا إرادة حقيقية لمعالجتها.

والفرق الجوهري بيننا وبين من يهاجمنا، هو أن نقاشنا نابع من الغيرة على الوطن، بينما خطابهم نابع من عقدة تجاه نجاحنا.

المغرب لا يعيش على الطوابير، ولا يختزل كرامة مواطنيه في انتظار قارورة حليب أو كيس دقيق. قد نختلف حول الأسعار، وقد نحتج على الغلاء، لكننا لم نصل إلى مرحلة، تُهان فيها كرامة الإنسان في أبسط حقوقه. وهذا ليس تباهيًا، بل توصيف لواقع يعرفه الجميع.

في خضم هذه المسيرة المتسارعة، لا يمكن إغفال معركة من نوع آخر يخوضها المغرب بصمت، لكنها لا تقل شراسة عن باقي التحديات، وهي معركة حماية التراث. فهذا التراث المغربي الأصيل، الذي تشكل عبر قرون من التراكم الحضاري والتنوع الثقافي، بات اليوم عرضة لأبشع صور القرصنة، في محاولات يائسة لسرقة ما لا يُسرق، ونسب ما لا يُنسب. من القفطان إلى الزليج، ومن فنون العيش إلى طقوس الاحتفال، تتكرر محاولات السطو بشكل يثير الاستغراب، أكثر مما يثير الغضب، لأن الأصل يبقى راسخًا مهما حاول البعض تزويره.

ولا يقف الأمر عند حدود اللباس أو الفنون، بل يمتد إلى المطبخ المغربي، الذي أصبح سفيرًا حقيقيًا للمملكة عبر العالم، بشهادة كبار الطهاة والمنظمات الدولية. أطباق مثل الكسكس والطاجين والبسطيلة لم تعد مجرد وجبات، بل تحولت إلى رموز ثقافية تختزل تاريخًا وهوية. ومع ذلك، لم تسلم هي الأخرى من محاولات “الاستنساخ الوقح”، حيث يتم تقديمها في بعض الفضاءات على أنها تنتمي لغير أهلها، في مشهد يفتقر لأبسط شروط الأمانة الثقافية.

غير أن ما يغيب عن هؤلاء، هو أن التراث لا يُختطف بالتصريحات ولا يُزوّر بالصور، بل يُحمى بجذوره الممتدة في وجدان الشعب. والمغرب، الذي نجح في تثبيت حضوره في ميادين الاقتصاد والرياضة والبنية التحتية، يملك من العمق الحضاري، ما يجعله قادرًا أيضًا على حماية ذاكرته الجماعية، مهما اشتدت محاولات التشويش أو السطو. لأن ما بُني عبر قرون، لا يمكن أن يُمحى بمنشور عابر أو ادعاء عابر.

وفي قلب كل هذا، تواصل القافلة سيرها. لا تتوقف عند كل ناعق، ولا ترد على كل متطاول. لأن من يشتغل، لا يجد وقتًا للالتفات إلى الخلف. ومن يبني، لا يضيع وقته في هدم الآخرين.

المغرب اليوم، ليس فقط مشروع دولة، بل مشروع ثقة. ثقة في المستقبل، وثقة في الذات، وثقة في أن هذا البلد، رغم كل شيء، قادر على أن يكون في المكان الذي يستحقه.

ولعل ما يثير انزعاج البعض ليس ما حققه المغرب فحسب، بل ما ينتظره من إنجازات. فالمستقبل، كما يبدو، يحمل ما يكفي لإرباكهم… وما يكفي ليزيدنا اعتزازًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.